هكذا يؤسس للجهل عندنا

latifa_aldlimy

ريناس بنافي – باحث في الفكر السياسي والاستراتيجي – لندن

عندما ينظر المجتمع الى المثقف الديني او ما يسمى الداعية يراه على انه:
1- عالِم يعرف كل شيء، فينخرط رغمًا عنه ليس في أي حديث، بل في الحديث العالِم تحديدًا، العارف، الحاسم، في قضايا كثيرة ولا تنتهي بمصير العالَم ومستقبله من ناحية الدين. بل في السياسة والاقتصاد والاجتماع وعلم النفس والفلسفة وكل شء.وبهذا فانه يحسم حالات الجدل القائمة في الاجتماع السياسي، ويُريح الأمة من عناء ألم أكبر في حال استمر الجدل حولها لفترات طويلة . فهو يفكر بدلا عنها وتره على الشاشات يتحدث دون ان تفهم له عبارة واحدة.
2-المقام الشعبي وهو المقام التي تكون كتاباته بمثابة فتوى تُريح الناس وتجعلهم ينتشون على المستوى النفسي، حتى لو كان في ذلك إهانة لعقولهم واستخفافًا بها. إذ تم اعداد وتربية هذا المُثقّف او الداعية لكي يُطلق فتاويه المُفترضة في وجه الفتاوى الأخرى والردّ عليها ويكون بذلك ضمير الناس والمُلبّي لاحتياجاتهم السيكولوجية، فهو بطلهم في زمن عزّ فيه الأبطال..
3- المقام الشعبوي وهو مقام تجريفي للعمل الإبداعي، إذ تسعى النُخب الثقافية إلى تبنّى مقولتي الحلال والحرام والتسطيح الفكري في التعاطي مع الشأن المعرفي، إذ لا عمل لهذه النخب إلا الحُكم على أعمال الآخرين وفقًا لمرجعياتها أو بالأحرى لتصنيفاتها المبدئية لما هو إبداعي وغير إبداعي، بما يُهين العمل المعرفي ويجعله محصورًا في رؤى مداها ضيق أساسًا. فتحت هذا المقام يسود نمط وحيد من المعرفة في الأنظمة المعرفية الإلغائية،ويؤدّي إلى قتل الحيوية والابداع على المستوى الفردي والجماعي. ويعم الجهل ويظن الناس انه علمل.

ذكر المفكر السعودي إبراهيم البليهي عبر ما يكتبه عن الجهل وبنية الجهل وكيف يكون للجهل علم؟ وعن حصون التخلف.
فالجهل المتوهم علماً هو من أقوى عوائق الحضارة واشد موانع النهوض وهذا شأن معظم الناس في الكثير من المجتمعات، انهم يتآلفون مع الجهل بحسبانه هو الحق المحض وفي هذاه الحالة لا يكون الانسان جاهلاً فقط وانما بينه وبين الحقائق حواجز نفسية مانعة تصده عن البحث وتمنعه من المراجعة وتقنعه بسلامة ما هو مستقر في ذهنه. ان الإشكال ليس في وجود الجهل وإنما في توهمه علماً، لأن الذي يحسب جهله علماً لا يمكن أن يعمل على تجاوز الجهل بل يواصل التمسك به والتعصب له، وبذلك فإن الجهل المركب من أكبر المصائب البشرية وأشدها تبديداً للطاقة الإنسانية وأكثرها خلقاً لسوء الفهم وللعداوات والحروب والصراعات الفردية والجماعية فالجهل المركب ليس عرضاً عابراً بخلاف ما يعتقد غالب الناس وإنما هو بنية شديدة الصلابة والرسوخ والتآزر. إن الناس في الغالب يتعاملون مع الجهل المركب بوصفه مشكلة فردية نادرة تعتري بعض الناس في بعض الحالات بينما ان الجهل المركب هو الأصل في التركيبات الثقافية التي لم تخضع للفحص والمراجعة، وهنا فرق جذري بين ان يتم التعامل معه كعرض فردي نادر وعابر وبين ان ينظر اليه نظرة واقعية تظهره كمعضلة انسانية كبرى وعامة…
والانسان المعاصر هو الذي يعيش عصره و يكون جزءا من هذا العصر في حركته و يطرح فكره للناس لينقد الناس فكره فاذا كان فيه شيء للنقد ينتقد ،او ينفتح الناس عليه ،فمسالة ان تكون إنسانا معاصرا منفتحا على العصر هي ان تدخل الى عصر الانسان و عقله و قلبه وانسانيته وأرضيته المعرفية،حتى لو اختلفت مع بعض أفكار هذا العصر في طريقتك في التفكير ،يجب ان تعيش عصرك لان من لم يعش عصره لا يستطيع ان يتفاهم مع الناس الذين يعيشون فيه ،فالذهنية لغة و المعرفة لغة و من يجهل المعرفة التي يمتلكها الانسان الاخر فانه كمن يكلم الانسان الاخر بلغة اخرى غير لغته و لا يفهمها في هذا المقام…!
ان الجهل المظنون عملا هو مصدر الكثير من المشكلات والمعضلات الإنسانية ومع ذلك فإن الإنسان قد غفل عنه ولم ينشىء له علما يحدد للناس طبيعته واسبابه ومنابعه وآليات عمله وقوة سلطانه وامتداد تأثيره وعوامل خفاء وجوده ويعود هذا الاغفال الى ان الناس قد اعتادوا ان يعدوا الجهل عدما فهم يتصورون ان الجاهل هو الذي لا يعلم او هو الأمي الذي لا يحسن القراءة والكتابة ويعتبرون أن ذهن الفرد يظل فارغا حتي يحصل الإنسان علي العلم فيمتلئ هذا الفراغ ولكن هذا التصور خاطئ تماما فالاذهان لا تبقي فارغة بل هي تمتلئ بخليط معقد من الرواسب التلقائية ومن الاخبار المرتجلة غير الممحصة ومما تحويه البيئة الثقافية والاجتماعية والطبيعية وغالب هذا الخليط في معظم المجتمعات ليس الا توطيدا للجهالات المستقرة…
ان هذه التعبئة او هذه البرمجة تحصل قبل بزوغ وعي الافراد وبسبب ان هذا الامتلاء التلقائي التراكمي يكون سابقاً للوعي وانه يتكدس ويتداخل ويستقر بدون ان يصاحب بالفحص والتحليل لذلك فان الاذهان تمتلئ غالبا بتراكمات زائفة وغير موثقة ان التأسيس القيمي والمعرفي والأخلاقي والذوقي لأي انسان يتم تلقائيا بالتشرب العفوي من ثقافة الارتجال والمشافهة والتقليد والمحاكاة، ولكن الإنسان في أي مجتمع قد لا يدرك هذا الاحتلال المبكر لذهنه الذي تم قبل بزوغ وعيه الا اذا هو تأمل عادات وتقاليد وتصورات الناس في المجتمعات المغايرة لذلك تشتد الحاجة في كل مكان الى اخضاع هذه التراكمات للدراسة الدقيقة والفحص الصارم والبحث المستمر من اجل ان يعرف الناس الجهالات التي احتلت أذهانهم ويذكروا مصادر البرمجة العميقة التي خضعت لها عقولهم، وبهذا يتولى علم الجهل تعريفهم بالمحتويات التي امتلأت بها نفوسهم قبل بزوغ وعيهم لأن هذا الامتلاء قد استقر ورسخ دون فحص ولا تحليل ولا مراجعة فالتأسيس النفسي لأي إنسان يتكون في الطفولة والمراهقة قبل وجود القدرة على التحليل والفحص فإذا كبر الإنسان وتعلم معارف صحيحة فإن هذه العلوم والمعارف لا تزيح البرمجة السابقة بل تتحور المعلومات لتتفق مع المحتوى الذهني السابق.
لقد بينت بعض الدراسات في علم النفس كالدراسة الرائدة التي نهض بها العالم الفرنسي بياجيه ومدرسته الى ان النمو المعرفي والقيمي والأخلاقي والذوقي في الكبر ما هو إلا استمرار لما تم غرسه في الصغر، فلا تتكون معرفة مؤثرة على الفكر والسلوك الا اذا كانت امتدادا واستطالة لجذر ثابت منذ الطفولة، فالفرد ليس معلم ذاته وانما هو صنيعة البيئة التي نشأ فيها، ومع ذلك يثور كل انسان في أي مكان ولأية بيئة انتسب إذا اتهمت أفكاره وتصوراته وقيمه أو طالبته باخضاعها للمراجعة وإعادة التقييم لأنه يتوهم أنه هو الذي اختار هذه الأفكار والتصورات والقيم بينما أنه لم يكن له أي دور في تكوينها أو اختيارها وإنما تشبَّع بها ذهنه وتطبعت بها نفسه وانصاع لها سلوكه قبل بزوغ وعيه، وهذا يستوجب مراجعة مستمرة حتى تتحدد لدينا طبيعة الجهل وطبيعة البرمجة المعرفية والأخلاقية والذوقية السابقة للوعي وتتحدد مصادر الجهل الثقافية والبيولوجية والبيئية والاجتماعية والتاريخية.
فالمطلوب منا هو كشف الآليات النفسية التي تجعل الإنسان يستميت في الدفاع عن الخرافات والأباطيل التي احتلت ذهنه قبل إشراق وعيه وتُبرمج عقله فيرفض الإصغاء لأي حقائق تتناول ما هو مستقر في أعماقه، والكشف عن العوامل التي تؤدي إلى موت الشغف بالمعرفة عند معظم الناس في الثقافات المغلقة وعزوفهم عن التساؤل وخوفهم من الأفكار الجديدة وحذرهم من النقاش الموضوعي وتوجُّسهم من أي شخص يريد تسليط الأضواء على المسلَّمات غير الممحَّصة، وتشخيص أسباب الرفض المبدئي لسماع الحقائق والشعور المتأجج بالخطر الداهم لأية مواجهة بين الأفكار، وتحديد طبيعة الجهل ذاته ووصف آليات عمله والتعرُّف على مكوناته وهذا شبيه بجس التربة قبل الإقدام على البناء وهو يماثل ما فعلته العلوم الطبية من التعرف على بنية جسم الإنسان، واكتشاف دفاعاته وقابلياته وتحديد طبيعته وإدراك استجاباته قبل الإقدام على العلاج، فمعرفة هذه الحقائق عن الجسم كانت شرطاً أساسياً لنجاح علم الأمراض وكانت شرطاً للقدرة على علاجها لقد حدَّد العلماء طبيعة الجسم وتعرَّفوا على آليات عمله كما تعرفوا على طبيعة المرض بشكل كُلِّي وعلى الآليات التي بها ينجح في إثخان الجسد كما تعرفوا على الآليات الدفاعية الكامنة في الجسم وبذلك صاروا يعملون على تنشيط آليات الدفاع وإخماد آليات الهجوم ولولا هذه المعرفة المزودجة لما تحققت هذه النجاحات الطبية.
إن الجنس البشري منذ وجوده على هذه الأرض قد كابد الجهل والمرض والفقر وقد أنشأت الإنسانية علوماً للأمراض ونجحت في علاج معظمها وَدَرَسَتء الفقر وتعرَّفَتء على مواطنه وقاست حدوده وعَرَفَتء أسباب انتشاره ووضعت النظريات لمكافحته، أما العلاج الناجع لمشكلات التخلف العلمي والاجتماعي والتعليمي والمهني والسياسي والإداري والاقتصادي والصحي وغيرها من مشكلات العوالم المتخلفة فهو معرفة الجهل، فإذا كانت الإنسانية قد أخضعت المرض والفقر للدراسة فإن الجهل وهو العدو الأخطر والعائق الأكبر مازال ينتظر أن يكون له علمٌ يحدد منابعه ويصف كيفية تكوينه وآليات عمله ويقيس مدى انتشاره ويكشف قدرته على الاحتجاب عن أهله، فمعرفة موانع النهوض أهم من التركيز على الإمكانات إن معرفة العوائق هي الشرط الأكبر لنجاعة الإمكانات، أما بدون التعرف على العوائٍق النفسية والثقافية فإنه يستحيل على أي مجتمع أن يتمكن من المشاركة في إنتاج المعرفة أو حتى استخدامها استخداماً ناجعاً ونافعاً

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *