هكذا تكلّم الفنّان والأديب يلماز گوناي (1937- 1984)عن نفسه

latifa_aldlimy

جلال زنكابادي

أنتمي الى أسرة كردية: فوالدتي من عائلة ثرية هربت إبان الحرب العالمية الأولى، من ظلم القوات القيصرية. أمّا والدي فينتسب إلى أسرة فقيرة معدمة
كم مرة ذهبنا على الاقدام إلى اضنة، عند إبن عم والدتي، الذي كان يقيم فيها.
كانت والدتي تبكي طوال الطريق، وتغني أغان كردية حزينة. ورغم أني وأختي لم نكن نجيد لغتنا الأم، كنا نفهمها؛ لمّا كانت الدموع تنهمر من عينيها بغزارة: ومنذئذ شعرت أن لا نهاية لمأساتنا؛ لذلك تمنيت كثيرا أن أموت: كي لا أشهد عذابات أمي!
… في طفولتي لم أكن أشعر بإنتمائي إلى الكرد؛ لأن المجتمع الذي عشت بين ظهرانيه، كان أفراده يتحدثون باللغة التركية. وهنا أكرر بأني لم أكن أتقن لغتي الأم، لكنني لاحظت منذئذ علاقة الترك غير الودية مع الكرد، والقوميات، والأقليات الأخرى..
… لا يمكنني القول أن في تركيا نظامنا منظما، مهمته ملاحقة القوميات والأقليات، لكنما الشوفينيّة لم تكن خافية يوما ما، وما برحت ممارستها العنصرية إزاء الكرد مكشوفة، على أيدي القادة العسكريين، والمتنفّذين في أمور الدولة؛ فالسلطة محتكرة للترك حصرا.. ولقد أدركت هذه الفوارق العنصرية والطبقية منذ كنت ألعب مع أطفال الأغنياء، خصوصا وأن والدتي كانت تعمل مع والدي في الحقل، وتعمل خلال الشتاء خادمة في بيت الإقطاعي، وكانت تجلب لنا بقايا الطعام الطيب والحلوى، وهو الطعام الذي كان يجعلنا نشعر بالإهانة!
كان والدي يحلم ويتمنى دوما أن أتعلم، بل وأنال أعلى الدرجات العلمية: فطالما كان يقول:
– إذهب الى المدرسة يا بنيّ وتعلّم؛ حتى لا تكون عبدا مثلنا!
لكنه لم يكن يدرك حقيقة أن المرء يظل عبدا في المجتمع البرجوازي حتى لو نال أعلى الدرجات العلمية!
… في المقدمة، تأثرت بالكتّاب الروس أمثال: تولستوي، دستيوفسكي، گوگل، توركنيف، چيخوف و گوركي، وبالكتّاب الامريكان أمثال: شتاينبك وكالدويل، كما تأثرت بالكاتب الإيطالي سيلونه، والكاتب الروماني إستراني، وكذلك بالكتاب الفرنسيين أمثال: بلزاك، زولا وموباسان. وهذا يعني تأثري بكل الكتّاب الكبار، في الأدب الواقعي..
ليس الهدف من حياتي هو الفن، وإنّما تحرير شعبي من الظلم والإستبداد.. إنني أكافح من أجل هذه القضية حتى الرمق الأخير، هنا في بلادي… وما دخولي إلى السجن إلّا جزء من نضالي الإجتماعي…
أنا بالعكس من الكتّاب الترك ، الذين أمضوا سنينا في السجن أمثال: ناظم حكمت وكمال طاهر، لم يؤثر السجن سلبا على كتاباتي!
اعتقد أن الفن عموما هو عامل مهم وفعّال في النضال الطبقي؛ ولذا فإن السينما يجب أن تواصل النضال كالفنون الأخرى، ومن هذا المنطلق ندرك أن جميع الممثلين مناضلون، بل وأعتبر أفلامي مناضلة كذلك.
إن أغلب الأفلام، التي أخرجتها لحد الآن، ساهمت في نضال شعبي؛ من أجل الحرية. واليوم إذ يعيش بلدي تحت نير الفاشية الدكتاتورية، أعتقد أن فلم (الطريق) سيؤدي الدور نفسه..
لا يعالج الفلم السياسي بالضرورة مواضيع الوقائع السياسية؛ فمن الأفضل أن تبتعد السينما عن المباشرة، لكنما ينبغي أن ينطوي الفلم السياسي على رؤية سياسية دقيقة، وموقفا إيديولوجيا واضحا،؛ إذ يمكننا آن نبدع سينما سياسية مؤثرة وفعالة، بدون الإستغراق في الوقائع السياسية.
أعتقد أن الطرق الثورية التي إتبعها الآخرون في الماضي لا يمكن أن تسري حتما على بلدي؛ و لذا ينبغي علينا أن نكتشف طرق أخرى.. وأنا اليوم لست محسوبا على أيّة مجموعة سياسية.. و في أفلامي أتوجّه إلى الشريحة المثقفة، كما أتوجّه إلى الناس البسطاء.
لما بدأت ألعب أول أدواري وضعوني في خانة الأبطال غير الوسيمين! إلّا ان المخرجين ومساعديهم، الذين يمقتونني، كانوا يعترفون قائلين: (إن هذا الشاب غير الجميل يؤدي الأدوار أفضل من ممثلينا البدينين!)
الشخصية التي مثلتها تبناها المنتجون والمشاهدون وقيدوها؛ فكبحوا طموحاتي في التقدم؛ مما شلّ ذلك حركتي وحيويتي، بعدما وقعت أسيرا للحب، الذي يكنّه لي الجمهور دائما. وهنا وجدت نفسي أمام خيارين: إمّا أن انزلق في النفاق، أو أن أمضي إلى الأمام بشجاعة؛ لكي أقطع مرحلة جديدة فضلا عن المجازفة بإغضاب الجمهور!
حين يكتب مخرج، إنّما يغامر بوظيفة السيناريست، ولم أحبّذ قطعا أن أكون موظفا ذات يوم؛ ما دامت الحياة تسير دوما وتتغير، ولا يمكن للمرء أن يحدد ما يكتبه نظريا على الطاولة؛ إذ أن السيناريو يتخذ شكله النهائي في مجرى العمل.
كنت أعيش عادة مع مجموعة التصوير كأي عضو إعتيادي، وكنت لا أعطي السيناريو للممثلين ، ولا اطالبهم بحفظ النص عن ظهر قلب، وإنّما كنت أسعى لإيجاد جوّ يناسبهم. وغالبا ما كنت أختار الممثلين ضئيلي الشهرة؛ حتى لا ينبهر بهم المشاهدون لأدوارهم السابقة.
أحبّذ أن يكون الفلم وجيزا قدر الإمكان؛ إذ نادرا ما تتحرك آلة التصوير من قبلي، بينما يتحرك الممثلون أنفسهم عبر المناظر الطبيعية المعدة للتصوير.
إنني عديم الرحمة حين يتعلق الأمر بالمونتاج: ففي فلم (الطريق) كان لدينا (18000) متر من المادة الخام، فكان ذلك يعني فلما يستغرق ست ساعات، ولكن لم يبق منه غير ما يستغرق ساعة ونصف الساعة في نهاية المطاف!
يجب أن أؤكد على نقطة، وهي أن أفلامي الأخيرة، التي كتبت سيناريوهاتها بنفسي، يعزى نجاحها بالدرجة الأولى إلى أولئك الرجال، الذين أخرجوها.
” حبيبتي، لم تكتب لنا الحياة بأن نعيش عيشاً كريماً في أمن واستقرار، وذلك لسبب بسيط هو إننا نشعر بأحزان الآخرين ونعتبرها آلامنا وأحزاننا، وإننا نتألم لمآسي أناس لم نراهم قط ، إن دموعهم تمزق أكبادنا.. لقد ذرفنا الدموع حتى على القطط وحمينا الطبيعة وأعشاش العصافير، فكم هو جميلٌ يا حبيبتي أن نشارك آلام ومآسي الآخرين وكم هو عظيمٌ أن تساعد أناساً للتخلص من المشقات.
لقد تألمت كثيراً في حياتي وذقت العذاب بما فيه الكفاية، ولكن كم هي حلوة وجميلة هذه الحياة. أحبي الآخرين وساعديهم واجعليهم يحبونك أيضاً، لا تيأسي من الحياة بل لا تجعلي الفرح يفارقك. جابهي آلامك ومآسيك في هذه الحياة بالفرح والسرور”}
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* توليف: نمط متطوّر من الكولاج سواء أكان بالصور أو بالكتابة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر:
1. يلماز گوناي، الحياة الخالدة/ أ. حسينوف/ ترجمة عن الروسية: د. أحمد أحمد/ ط1/ 1993 حلب
2. يلماز گوناي ودور السينما الوثائقية في النضال الوطني/ د. إبراهيم محمود/ من منشورات رابطة كاوه للثقافة الكردية/ ط2/ بيروت 2000
3. يلماز گوناي، حياته وأفلامه/ يان هيس/ ترجمة عن الألمانية: آشتي شيخاني/ مراجعة وتقديم: جلال زنگابادي/ (أغلب فصوله منشور في جريدة خبات ومجلة گولان العربي)
4. رسالة يلماز گوناي في السجن إلى زوجته/ انترنت
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سيرة الفنان والأديب يلماز كَوناي من (ويكيبيديا، الموسوعة الحرة)
يلماز كَونَي = Yılmaz Güney
مخرج وممثل ومؤلف كردي ، يعتبر الأشهر إطلاقا في كردستان و تركيا .
ولد في قرية اينجه التابعة لمدينة أضنه في 1 إبريل 1937 من أبويين كرديين . دخل عالم السينما عام 1957 كمساعد مخرج للفيلم أبناء من هذا الوطن. حصل على 17 جائزة سينمائية أهمها السعفة الذهبية من مهرجان كان للأفلام السينمائية عن فيلمه الأشهر الطريق عام 1982 الذي يتحدث عن الحياة الصعبة في كردستان الشمالية وقد أخرج كونَي نصف هذا الفيلم وهو في السجن. سجن كونَي عدة مرات بسبب مواقفه السياسية وكتب وأخرج عدد من أفلامه وهو في السجن، حيث كان يوجه زملائه أثناء زيارته في السجن عن كيفية إدارة الكاميرا والمشاهد التصويرية. هرب من السجن وتوجه إلى فرنسا حيث توفي هناك عام1984 وشارك في مراسم تشييعه أبرز الشخصيات السياسية في فرنسا. كان يكتب أفلامه باللغة التركية كذلك جل تمثيله كان باللغة التركية؛ لأن النظام السياسي في تركيا كانت تمنع من إنتاج أفلام باللغة الكردية.
مثل وأخرج كونَي أكثر من 110 فيلم سينمائي.
أبرز أفلامه:
الطريق/ القطيع/ الجدار/ الأمل/ الهاربون/ الكابوس/ الأب/ الفقراء/ رجل قبيح/ الذئاب الجائعة/ سيد خان/ غدا هو اليوم الأخير/ العدو/ العلقم/ أبناء من هذا الوطن/ زمن التبغ/ ملك الملوك/ النسر الجريح/ الملك البشع/ أنا لا أتاثر بالرصاص..

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *