موسيقى البشير حلمٌ مفتوح على فراديسِ النّعيم

latifa_aldlimy

صبري يوسف

موسيقى جميل بشير متنامية عبر تجلِّيات مصهورة بتبرٍ مصفَّى من أصفى توهُّجاتِ الحياة.
رحلةُ عشقٍ منعشة للروحِ في رحابِ أرقى الألحانِ!

13
تحيّة لروح أخوَين من مذاقِ الحنطة،
جميل بشير ومنير بشير، بشيران متهاطلانِ على مساحات موسيقى موشومة على منارة شموخ الرُّوح، المتوافدة من روافد الينابيع الأولى لأرقى الألحان، ترفرفُ أجنحتهما ألقاً عذباً على مدى رحلة العبور في أشهى مرافئ الأنغام، وينهمرُ من أوتارِ عودَيهما وميضُ فرحٍ ينعشُ القلوب المكلومة من تفاقماتِ ضجرِ الحياة. يرسمان بريشتيهما الرَّهيفة معالمَ الرّوح الجامحة نحوَ أحلامِ الأزمنة الغابرة، كأنّها مسارب حلم مفتوح على فراديسِ النَّعيم، يفتحان لنا دروباً مصحوبة ببهجةِ الحياةِ، يقدِّمان موسيقى منسابة ومتدفِّقة بعذوبةٍ عميقة على بهاءِ وجنةِ الصَّباحِ، تناجي الألحان أعماق القلوب، كأنّها بلسم شافٍ لعطشِ الرّوح والقلب لكلِّ هذا الجمال المتألِّق، إبداعٌ محفوفٌ بأصفى الألحان، خيالٌ معتَّقٌ بنبيذِ منعشٍ لهلالاتِ قلوبٍ عطشى إلى أقصى أقاصي تجلِّيات الرُّوح.
موسيقى البشير متناغمة معَ بشارة منعشة لمساراتِ خيوطِ الحنين، موسيقى تتماهى معَ أشهى ما في عذوبةِ القصائد من شهقاتِ البهاء، موسيقى متهاطلة من حنينِ اللَّيلِ إلى مهجةِ المدائن المتدلدلة في قيعانِ الذّاكرة، كأنّها شيفرات عشقٍ منبعثة إلينا من حنينِ السَّماءِ، أنغامٌ مشرئبّة من تماهياتِ هديلِ الحمائم وتغريدِ البلابل، ابتهالاتٌ مسربلة بأصفى أبجديات الأصالة، رؤى سامقة تهفو إلى معانقةِ قممِ الجبال الشَّامخة، تطربُ أسماعنا وتوقدُ في أعماقنا حنيناً دافئاً إلى المعينِ الأوّل، انشغالاتٌ وارفة كأغصانِ الزّيتون المخضوضرة بالوئامِ، موسيقى نديّة مضمّخة بإشراقاتٍ مندلقةٍ من أشهى أهازيجِ الحضارة الشّامخة فوقَ عرينِ الحياة.
جميل بشير حالة انبعاثٍ من أنغامٍ موغلة في تيجانِ الأصالة، انبعثَ مثلَ طائرِ الفينيقِ من أكوامِ الرّمادِ بحثاً عن أصالةِ وعراقةِ فنونِ الأجدادِ، فوجدَ ضالَّته المنشودة عبر رحابِ الموسيقى، فعمّقَ روافدها ومشاربها فجاءت أنغام ألحانه في أبهى تجلِّياتها، متناغمةً مع ينابيعِ الأحلامِ المستنبتة في أعماقِ ذاكرة الرّوحِ الوثّابة نحوَ أرقي مرامي الإبتهالِ، واشتغلَ هذا الجميل بمثابرة عميقة وذهنٍ وقّاد، فتلألأت إيقاعات ألحانه فرحاً في عرينِ القصائد. موسيقى جميل بشير متنامية عبر تجلِّياتِ لغةٍ مصهورة بتبرٍ مصفَّى من أصفى توهُّجاتِ الحياة. رحلةُ عشقٍ منعشة للروحِ في رحابِ الألحانِ، حالة متفرِّدة في استكناه حبورِ انبعاثِ أنْغَامٍ منسابة معَ أصفى ابتهالاتِ بوحِ السّماءِ، حالة مفعمة بالجمالِ التَّوّاقِ إلى عبورِ أقصى مساراتِ الإنبهارِ. غاصَ جميل بشير عميقاً في رحلةِ الاستكشاف، إلى أن وصلَ إلى صفوةِ الدُّررِ، ثمَّ اغترفَ من ينابيعه العذبة أسمى اللَّآلئ، حافراً اسمه بماء الذَّهب المصفّى فوقَ خارطةِ عود جميل بشير، فأصبحَ مرجعاً يبشِّر بالجمال الخلَّاق، موسيقى منبعثة من أحلامٍ لا تخطرُ على بال!
دمغَ جميل بشير دندنات بصمتهُ الرّاقية على أجنحةِ الرّوح الخفَّاقة، كأنّه هودجُ فرحٍ منقوشٍ في ربوعِ أسمى تجلِّياتِ الأغاني، يناجي القلوب اللَّائذة من أوجاعِ هذا الزّمان، مستلهماً من خزين الموسيقى السّريانيّة أسمى مرامي الألحان، واقفاً بكلِّ عنفوانه وشموخه، مستشرفاً من لبِّ القصائد أعذب الألحان، مكرِّساً حياته لحبق الموسيقى وإبداع أرقى الأنغام، كأنّه في حالةِ عناقٍ مفتوحٍ معَ أبجديَّاتِ ينابيعِ الجمال، مؤكّداً عبر غوصه وتشربّه على البعدِ الحضاري العريق لأصول الموسيقى الشَّرقيّة، ويقدّمها بأبهى حللها بعد تجربة فسيحة، فوق أرقى مسارح الكون كأوّل عازق عود على امتداد عصره!
يعزفُ جميل بشير على تماوجات حلمٍ مفتوح على فراديس الجنّة، كأنّه شلّال أنغامٍ، يتهاطلُ مثلَ غيومٍ مكتنزة بالعطاءِ، عبرَ مشاعرِهِ الرَّهيفة فوقَ أحلامِنا الهاربة من لظى أيامنا الغائصة في أجيجِ الاشتعالِ. تتناهى تدفُّقات مشاعره عبر موسيقاه إلى أسماعنا بطريقةٍ مدهشة، كأنّه ينطقُ عبر مداعبات ريشته الطَّافحة بروحيّة عراقيّة أصيلة منعشة للروح، منعشة للقلب، محفّزة للخيال، مركّزاً على جموحاتِ المقامِ العراقي بكلِّ تجلِّياتِهِ وعُرَبِهِ البديعة، بأسلوبٍ قلّما نجد نظيراً له، إلّا إذا كان بشيريّاً، جامحاً نحوَ الأغاني الرّيفيّة الأصيلة، موغلاً بكلِّ شغفٍ في مساحاتِ الأغاني الكرديّة، ومشبَّعاً بالألحانِ السّريانيّة الكنسيّة العريقة في رحلاتِهِ الموسيقيّة عابرة القارّات.
نعمة النّعم أن نرى بشارة البشارات في عائلة تنضح شموخاً من أرقى أنواع العطاء، تتدفَّقُ من عوالم جميل بشير لغة موسيقيّة شاهقة، أشبه ما تكون انبعاثات حلمٍ متهاطلٍ من أشهى بزوغِ الحضاراتِ، مجسِّداً حضوراً عالميّاً مع أخيهِ منير المعرَّش في مناجمِ الألحانِ الخالدة، الَّذي هدهدَ بشغفٍ عميقٍ حنين الرّوحِ عبر موسيقاه الموغلة في التَّأمُّلِ والإرتجالاتِ المصاحبة لرهافةٍ إبداعيّة شامخة شموخ أشجارِ النّخيل وجبالٍ راسخة على أرضِ الحضارات.
*****
منير بشير يعزفُ كمَن يبتهلُ للسماءِ،
كأنّهُ على صلة معَ رفرفاتِ الطّيورِ الآتية من أعماقِ البراري.
14
يعزف موسيقاه مناجياً أوتار القلب، فيبلسم آهاتنا من خلال دندناته المنسابة معَ شهيقِ القصيدة، راسماً بسمة الإبتهال فوقَ وجوه سامعيه، مرفرفاً عالياً نحوَ نجيماتِ الصَّباح، كأنّهُ في حالةِ عناقٍ معَ تغاريد أسراب الطُّيورِ المهاجرة نحوَ شواطئ مزدانة ببهجةِ تلاطماتِ الأمواجِ، ومعبّقة بالقرنفل حيثُ رفرفات النّوارس تزيّنُ وجهَ الأفق بهلالاتٍ متماهية معَ انبعاثِ بوحِ القصيدة على مساحاتِ شهقةِ الأنغامِ المتعانقة معَ سيمفونيّةِ الحياةِ. منير بشير بهجة موسيقيّة متهاطلة من حنينِ غيمة عطشى لتشقُّقاتِ خدودِ الأرضِ. يناجي أرواحنا الهائمة في طينِ الحضارةِ الآفلة، محاولاً أن يفتحَ لنا آفاقاً باهرة عن موسيقانا المتربّعة فوقَ شموخِ هذا الزّمان، وقد تبرعمت موسيقاه من تراكمِ ابتهالات ينابيع بوح الرُّوح، مغترفاً غلال حصاده من الكثير من المشارب النّاصعة من ألحانِنا الأصيلة الغارقة في القدم جنباً إلى جنب مع أخيه جميل بشير، إلى أن غدا رائداً من روّاد عازفي العود في العالم!

يستمدُّ منير بشير أنغامَ تجلّياتِهِ من أرخبيلاتِ الحلمِ المفتوحة على مساحاتِ توهُّجاتِ الرّوحِ الخلّاقة، زارعاً في أنغامِهِ حفيف الأشجار العطشى لإشراقةِ الشَّفقِ، كأنّهُ يحاكي أرواح التَّماثيل الشَّامخة في بلاد سومر وأكَّاد وآشور وكلدو وبابل وآرام، مناجياً الحدائق المعلّقة في جبينِ الحضارة، يعزفُ كمَن يبتهلُ للسماءِ، كأنّهُ على صلة معَ رفرفاتِ الطّيورِ الآتية من أعماقِ البراري. تنتعش الرّوحُ فترقصُ على روعةِ الدَّندناتِ فيخلقُ حالةَ فرحٍ تتصاعدُ إلى أقصى بهجاتِ نشوةِ الرُّوحِ، كأنّهُ في حالةِ تواصلٍ معَ حنينِ أرواحِنا التوّاقة إلى توهّجاتِ موسيقى منبعثة من خفقةِ الرّوحِ المشبّعة بحنينِ أعرقِ الحضاراتِ، تاركاً خلفه ابنه عمر بشير كي يعيدَ إبداع المجد البشيري إلى أرقى مسارح العالم، فيعزفُ عمر بشير لغةً موسيقيّة بشيريّة موغلة في البشارةِ بانبعاثِ تجلِّياتِ موسيقيّة كانت مهدّدة على تخوم الاندثار، فانتشلها من الغبارِ المستفحل على وجنةِ الحضاراتِ الآفلة، واضعاً مزاميرَ بوح الرّوحِ في أوجِ انبعاثِ موسيقاه، مستكملاً المشوار البشيري بروحانيّة ابتهاليّة جماليّة عالية في السموِّ والرّقيِّ، تصلُ إلى أقصى ما في لغةِ الموسيقى من نبوغِ الارتجال، كأنّه موشور فرحٍ يغدقُ علينا أبهى ما في روح الموسيقى من جمال.
*****
عمر بشير يا ريشة معبّقة بذهبٍ مصفّى من ينابيع الحضارة،
يا صديقَ العصافير والطُّيور المغرِّدة فوق أشجار الزّيتون
15
يا ريشة معبّقة بذهبٍ مصفّى من ينابيع الحضارة، يا زهرة فرحٍ مزدانة فوق وجنةِ الرُّوح، يا صديقَ العصافير والطُّيور المغرِّدة فوق أشجار الزّيتون، يا قامة إبداعيّة شامخة فوق بلادِ الرَّافدين، يا قلادة عشقٍ فوقَ صدرِ شاميرام، يا رنينَ المحبّة المنسابة من حنينِ النّواقيس، يا صديقَ الكائنات المبرعمة بأجنحةِ الوئام، يا سليلة حضارة سومر وأكّاد وآشور وكلدو وبابل وآرام، يا شهقةَ إبداعٍ متجلِّية في حكايةِ عشقٍ معرَّشٍ في طراوةِ طينٍ معبَّقٍ بأشهى تجلِّياتِ الإبداع، تناغم رهيف ينبع من جموحاتِ موسيقى عمر بشير، عناقٌ روحي بين موسيقاه الشرقية والغربية، يدخلها بروحانية شرقيّة بديعة، انسجام مدهش في الأنغام الوتريّة والإيقاعيّة الغربيّة معَ توهُّجات الموسيقى الشّرقيّة، تبرعمت من آفاق هذا الموسيقار المبهر عمر بشير، روح المزاوجة بين موسيقى شرقيّة وغربيّة تناجي الرُّوح، كأنّنا إزاء موسيقى تدندنُ لأرواحنا الهائمة في مروج الأحلام، تترجم شغفنا في فضاءات التَّجلِّي، ترقصُ روحي طرباً وانتشاءً عندما أسمع تدفَّقات عمر بشير وهو يقودُ فرقة متنوّعة، فيبدو لي فارساً جامحا في فضاء الأنغام، يبهرُني هذا الإنسجام المدهش مع أعضاءِ الفرقة، ويدهشُني عزفه وتماهياته المنعشة، مناجياً أعماق الرُّوح العطشى، كأنّه على تواصلٍ معَ حنينِ أرواحِنا إلى كلِّ هذا البهاء!

تبدو لي الموسيقى لغة محبوكة من شيفراتِ الرّوحِ، فهي تبلِّلُ تشقُّقات صحارى الحنين، وتخفِّفُ الكثير من مساحاتِ ضجرِ الحياةِ، كم تبدو بهيجة الوقع هذه التَّماهيات في محاكاةِ الأنغامِ المتنوّعة بينَ آلاتٍ شرقية وأخرى غربيّة، يرقصُ قلبي طرباً، لكلِّ هذا البهاء وتنزاحُ أحزان السّنين وأنا أسمعُ دندنات عمر بشير وهو يشمخ فوق مسارح أرقى العواصم، ويقود فرقته بمهاراتٍ عالية، تتناغم أعضاؤها في محاكاةِ بعضهم بعضاً عبر أنغام متماهية مع دفقاتِ الارتجالِ، فرحٌ يسطعُ في سماءِ الرّوحِ، وينتهي بي إلى سؤالٍ مفتوحٍ على خميلةِ اللَّيل، هل الموسيقى منبعثة من الحيّز الرّوحي الكامن في أعماقنا الخفيّة، لهذا عندما تناجينا، نرقصُ من أعماقِ قلوبنا وأرواحنا، وتتعانقُ مع أحلامِنا الغافية في منعرجاتِ لبِّ الذّاكرة؟!
الموسيقى وهجٌ شعري يحلِّقُ في مخيالِ عمر بشير وفي مخيالِ مَن يعزفُ معَهُ ويرافقُهُ في تقديمِ حالاتِ إنسانيّة مبهجة للروحِ والقلبِ والخيالِ، أشبه ما تكون مساحات مفروشة بأثير المحبّة، وعناق أرواح الكائنات المحيطة بنا، هناك مناجاة للكون والكائنات، ويدغدغُني سؤالٌ منبثقٌ من مرامي الرُّوحِ، هل الكون منبعث من شهقاتِ موسيقيّة عبر الأزمنة السَّحيقة، ما هذا السُّر البهيج الكائن في أغوارِ الموسيقى؟!

عمر بشير حالة إبداعيّة تتعانقُ مع قلوبٍ مفتوحةٍ على بحارِ الحنين، أشعرُ في قرارةِ نفسي: الآن الآن الآن، وكأنَّ عمر بشير يكتبُ شعراً عبرَ انبعاثاتِ موسيقاه، يرسمُ لوحةً تنضحُ فرحاً، يعانقُ عاشقةً من مذاقِ تهاطلاتِ المطرِ، يترجمُ مشاعري الدَّفينة، يدندنُ لأحلامِنا المتشظّية، يلملمُ أحزانَنا وأشواقَنا وينقشُ فوقَ مساراتِ دروبها أزاهيرَ فرحٍ، عمر بشير طاقة فرحية ابتهالية إبداعيّة خلَّاقة، تزدادُ بهاءً كلّما تراءى أمامه منير بشير وجميل بشير، فهو اِمتدادٌ مبهرٌ لكلِّ هذا العطاء البديع!
تحيّة لروح جميل بشير المبلَّلة بألقِ العطاء الخلّاق، تحيّة لروح منير بشير الّذي قدَّم موسيقى من أعماق توهُّجاتِ الرّوح، وأهدانا أجمل الهدايا، عمر بشير فأغدقَ على قلوبنا موسيقى تسطعُ فرحاً ونوراً وبهاءً، أضاءَ صباحاتنا بنورِ المحبّة وأغدقَ على قلوبنا أبهى حبورِ الوئام عبر موسيقى رهيفة من نكهةِ الماءِ الزُّلال، تحيّة لموسيقى البشير، أيّتها المجنّحة في مروجِ الرُّوحِ، أيّتها الشَّامخة فوقَ آفاقِ شهقةِ الزّمنِ إلى الأزل!

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *