(ملحمة ماناس) القرغيزيّة

latifa_aldlimy

جلال زنكابادي

معروف أن ماناس بطل أسطوري قرغيزي، وشخصيّة ملحميّة شرقيّة، قيلت عنه أشعار كثيرة شبيهة بأشعار الفردوسي الملحمية، وقد حازت الأشعار المتغنية به على أهمية فائقة في أوساط الشعب القرغيزي، خلال القرون الخوالي، بل وبجّل القرغيز رواتها كثيراً؛ لأن لماناس سمعة طيّبة جدّاً؛ بصفته أعظم بطل قومي يعظّمه القرغيزيّون ويبجّلونه جيلاً تلو جيل…
والجدير ذكره هو أن المؤرخين القرغيز يقولون أن أمه كانت تاجيكية وتتكلم بالفارسية. وقد أُلف الكتّاب بالفارسية أهم كتاب عن سيرته النضالية. ولقد إحتفل الشعب القرغيزي في (1374ش = 1995م) باليوبيل الألفي لماناس إحتفالاً كبيراً حضره كبار المسؤولين والشخصيات من دول عديدة، بدعم من منظمة اليونسكو. وفي 2003 أقرت اليونسكو كون الـ (ماناسجي = منشد ملحمة ماناس) من التراث الثقافي القرغيزي .
تعد ملحمة ماناس ، من حيث الحجم ، أكبر ملحمة ، حيث تقع في بعض مخطوطاتها في نصف مليون بيت شعري! وقد وجدت نسخة مدوّنة لها في (1792- 1793) لأوّل في كتاب فارسي، لا تزال 8 أجزاء منها سليمة (أكثر من 230 ألف بيت) وهي تعرض قصة إنسان يناضل من أجل توحيد أبناء شعبه لمقارعة الصينيين، حتى الإستشهاد في إحدى المعارك. وكان لزوجته الإيرانيّة إبنة خان بخارى، ولمستشاره (آلمامبت) الدور البارز والمؤثر في مسيرته. والملحمة ذلئعة الصيت في أوساط الشعوب الناطقة بالتركيّة ” ماناس رمز حكمة الشعب القرغيزي، ورمز ذكاء وعبقرية وبطولة وجرأة الشعب القرغيزي . يظهر ماناس دائما امام كل العالم ان الشعب القرغيزي محب الوطن والتقاليد والحرية. ماناس ثروة كبيرة ثقافية ومعنوية للشعب القرغيزي، وثروة قيمة للحضارة العالمية والبشرية…” حسب تقييم الرئيس الآذربايجاني حيدر علييف في اليوبيل الألفي لماناس. ويحسبها بحّاثة ونقّاد كثيرون في مستوى (شاهنامه) الفردوسي (940- 1020) رغم اختلاف الملحمتين في بضع نقاط.
ورغم ما ورد سالفاً إذا بمنظمة اليونسكو تستجيب لمطالبة الصين في ت1/ 2009 بحسبان (ملحمة ماناس) من التراث الصيني! وعللت الصين مطالبتها بوجود أقليّة قرغيزيّة (160ألف نسمة) في منطقة جياجينك في غرب الصين ، وتفتخر بنسبها الواصل إلى البطل ماناس ؛ وعندها هبّ المثقفون القرغيز لإبطال هذه المصادرة ، وطالبوا بتصحيح ملكيّة الملحمة؛ لأن حجة الصين لاتعدو أكثر من “كلمة حق يراد بها باطل ” ! إذ تتظاهر بحماية ثقافة وتراث الأقليّات، التي تستغلها وتضطهدها، والحجّة نفسها تنسحب على الملحمة المنغولية جنغقر والملحمة التبتية كَيسار!
علّق المحلل السياسي تورات آكيموف على تصرّف الصين بقوله : ” إذا عدّت ملحمة ماناس الآن من كنوز الحضارة الصينيّة ؛ فيا ترى ماذا سيحصل بعد 100 أو 1000 سنة قادمة ؟!” وأضاف بأن الصين ماضية في مصادرة ثقافات الشعوب الأخرى وحضاراتها ؛ فقد ضمت الأمكنة التبتيّة المقدّسة إلى ممتلكاتها وسجّلت جنكَيزخان بعبارة (إمبراطور الصين العظيم) !
وكذلك علّق باكيت اورونبكوف الأستاذ في جامعة مناس في بيشكك : ” غداً سيكون في مقدور تركيا أن تدعي بملكيّة ملحمة ماناس ؛ مادام يعيش فيها قرغيز ، وهذا ينسحب أيضاً على أفغانستان وروسيا ؛ حيث يتواجد قرغيز …في حين يجب أن تخص ملحمة ماناس قرغيزستان، ثمّ القرغيزيين أينما يتواجدون…”
أمّا منشد ماناسنامه المعروف سمات كوجوربايوف فقد قال : ” لقد وحّد ماناس القرغيز المتبعثرين للنضال ضد أعدائهم، أي ضد الصينيين ؛ فليس سوى القرغيز يدركون أصل الملحمة وأهميتها…وإني لأخشى الآن أن يتمادى الصينيّون في تحويل ملحمة ماناس إلى أفلام كارتون …!”
وقد قال العالم اللغوي القرغيزي (الصيني) مكلاك يمارب في تقييمه لها: ” تُعَد ملحمة ماناس كنزاً وطنيّاً مضافاً إلى الملاحم الأخرى في الصين، وهي موسوعة للقوميّة القرغيزية على الصّعُد: التاريخيّة ، الثقافيّة، التاريخيّة، الدينيّة والإجتماعيّة، بل تعد خلاصة لإبداع قومية القرغيز خلال أكثر من ألف سنة” إذ ما برح القرغيزيون يرددونها ويتناقلونها شفاهيّاً منذ أكثر من ألف سنة، فانتقلت بين السهول والمروج فى هضبة بامل منذ القرن العاشر الميلادي حتى اليوم جيلا بعد جيل. ومنها:
” استحال السهل بحيرة ، واستحالت البحيرة حقلاً، والجبل تحوّل إلى واد والنهر الجليدي استحال نهراً جارياً، وهكذا فالكل يتحول باستمرار وتتناقل القصص القديمة إلى يومنا جيلا بعد جيل ”
والجدير بالذكر أن الملحمة التي تتوزع على 18 كتاباً وتتكون من أكثر من (234 ألف بيت) ، قد ادرجت ضمن قائمة التراث العالمي غير المادي في سنة 2009 كما سلف، ولعلّ كَيوسوب مماي (عمره 90 سنة) هو الشخص الوحيد في العالم، الذي تمكن من أن يحفظ الملحمة بأكملها ويستذكرها؛ بحيث أفلح في مساعدة مدوّنيها. ولقد نشرت هذه الملحمة باللغة القرغيزية وترجمات لها باللغة الصينية واللغات الأخرى.
والجدير ذكره أيضاً هو المهرجان الكبير للإحتفاء بملحمة(ماناس) النفيسة، والذي تمّ في منتص 2011 وحضره زهاء عشرة آلاف ضيف من عموم الصين وقيرغيزستان المجاورة، في محافظة ووتشيا بمنطقة شينجيانغ ذاتية الحكم للقومية الويغورية بشمال غربي الصين، وقد صرّح محافظها تشانغ بينغ بإن الحكومة المحلية ظلت تنشط في تربية جيل جديد من الفنانين لغناء الملحمة في جميع المدارس والأرياف بالمحافظة؛ لكي يحفظوا الملحمة عن ظهر قلب ويغنوها كالفنانين، وقد تمّ تدريب 3000 فنان ورثوا هذا التراث الثقافي خلال السنوات الست المنصرمة. وكذلك تسعى المحافظة إلى تأسيس متحف خاص لكبار الفنانين لغناء الملحمة ؛ من أجل الحفاظ على هذا التراث الوطني النفيس .
لئن ورد أعلاه ذكر (شاهنامه) ؛ فمن الضروري تبيان الإختلاف والتشابه بينها وبين (ماناس) :
تلتقي الملحمتان في رسم الهويّة الثقافيّة لكلا الشعبين، لكن (شاهنامه) مدوّنة أصلاً، و(ماناس) فولكلوريّة ، أي كانت شفاهيّة، ثمّ دوّنت في القرون الأخيرة، ومع ذلك كان حضورها ملحوظاً في حياة القرغيز، حدّ محاولة رئيس الجمهوريّة القرغيزيّة إستنباط ايديولوجيّة منها.
لشاهنامه مؤلّف واحد معروف هو الفردوسي ، خلافاً لماناس التي تناقلها الكثير من الرواة الشعبيين. وخلافاً لماناس تبتديء شاهنامه بذكر الله ، ومع ذلك لاتخلو ماناس من الحسّ الديني.
تطغى ثيمة الحرب على الملحمتين؛ فحرب إيران وطوران محور (شاهنامه)، ومحور (ماناس) الحرب ضد الصينيين، لكن الملحمتين لاتخلوان من ثيمة الحب.
تتناول (شاهنامه) المزيد من الأحداث والشخصيات منذ بدء الخليقة حتى سقوط الدولة السّاسانيّة ، في حين تتناول (ماناس) مصير بطل واحد هو (ماناس) ثم ابنه (سي تك) وسبعة أجيال من حفدته، أي أن أبطال شاهنامه متعددون ومتنوّعون خلافاً لما في ماناس ، ثمّ إن أكثر أبطال شاهنامه من الرجال، والنسوة فيها عفيفات، وللمرأة أيضاً حضور في (ماناس) مثل (خانيكة) زوجة ماناس.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *