مؤتمر تاسيسي تحولي و -قرآن العراق-أ/3

latifa_aldlimy

عبدالامير الركابي

مالذي يحدث في العراق اليوم، اهو ثورة من نوع الثورات المعروفة في التاريخ، ام نوع، او طبعة من طبعات مايسمى الربيع العربي، الإجابة على التساؤل السالف مهمة جدا، لان تعيين طبيعة ومضمون الحدث الجاري يترتب عليه اكثر مما هو متوقع او متصور في موضع، وعند ساعة بعينها من تاريخه وتاريخ العالم، لهذا سنبادر فورا الى القول بان مايجري في ارض مابين النهرين هو منعطف صيرورة تاريخية حاسم على مستوى المعمورة والكائن البشري، وهو حدث تحولي لاينتمي لما هو معروف او متعارف علبه من احداث، قد تبدو شبيهه في الظاهر،مما سبق ان عرفه الكائن الانسايوان الى اليوم؟
ولعل اهم معضلات هذا الحدث الاستثنائي، واكثر نواقص حضوره، خطورة كونه غير معرف بذاته وبناء لكينونته بما هو حدث منتم لزمن وعالم مابعد الغفلة الكبرى التي ظلت مخيمه على العقل منذ تبلور ظاهرة المجتمعية التحولية الى اليوم، عاش خلالها العقل قاصرا ومتعذرا عليه مقاربة حقيقة المجتمعية ومنطوياتها، واولها وعلى راسها مجتمع الازدواج المجتمعي المقابل والمناظر الأعلى للازدواج الطبقي الأوربي، المماط اللثام عنه جزئيا مؤخرا قبل قرابة قرن ونصف القرن، قبل ان يماط اللثام عن الكيانية الأهم الأعلى، والخصوصية الاستثنائية التركيب، ماينبيء اليوم عن قرب والحاحية تبلور مفهوم او ” قران العراق” الغائب المطموس منذ سومر الى اللحظة الراهنه.
واهم مايتوجب راهنا لفت الانتباه اليه، وتوجيه النظر نحوه، التمييز والفصل بين المجتمعية الارضوية الأحادية، والمجتمعية السماوية الاكوانية، الامر الأخطر في التاريخ الذي جرى اغفاله والنكوص دونه، منذ ان اعتمد مفهوم المجتمعية الأحادية، واعتبر هو القاعدة، وهو شكل المجتمعية الوحيد، وهو ماكان نمط الأحادية المصري نموذجه الاعرق، والاقرب لبداهات العقل ابان زمن قصوره الطويل، فلم يلحظ بناء عليه، فضلا عن ان يؤخذ به، اعتبار ان ثمة حالة ارضوية لاارضوية، وتقضي بوجود مجتمعية لاتتشكل وفق الاشتراطات الارضوية الدنيا التمايزية الدولوية، مجتمع بنيته ونوع تحققه لاارضوي، وفوق ارضوي، الأساس في وجوده ونوعه،حالة طرد بمنتهى القسوة ارضوية، تضع المجتمع المعني على حافة الفناء، مع المعاكسة الكلية، على خلاف ماهو حال النمط المصري تماما. ان وجود النمطين، الغائب المتعذر على العقل، مع نقيضه الأقرب للبداهة العقلية الدنيا، واحتلالهما موقع البدء والمنطلق المجتمعي في وقت متقارب، لم يكن من قبيل الصدفة، بقدر ماكان إشارة ذات دلالة كبرى، ارادت القول انما المجتمعيات، أحادية ارضوية، وأخرى كونية سماوية متعذر تجسدها ارضويا، وان الثانية مصيرها الغياب عن النظر والادراك، والأولى هي ماتملا مكان الغائب، وتغطية وتبعده عن الحضور لزمن ليس بالقصير،لتدني نموذجها بما يتوافق ويلائم تدني قدرة العقل في حينه على الاحاطة.
يقول واحد من ابرز الباحثين في مايعرف بالحضارات القديمة : “وتتضح هذه الحقيقة مع كثرة تكرار الفيضانات والعواصف والجفاف والحرائق التي كانت الالهة تهدم بها اعمال الانسان. ولم تكن الاحوال الطبيعية في بلاد مابين النهرين، على عكس ماهي عليه في مصر، لتهيء الظروف الملائمه لتطور المدنية. فالتغيرات الفجائية تستطيع ان تخلق احوالا تفوق قدرة الانسان على ضبطها والسيطرة عليها. ان المد الربيعي في خليج فارس ( هكذا في النص الأصلي، والمقصود خليج سومر الاقدم، بدل التسميتين الدلتين على حضورين لاحقين متنازعين على ماليس لهما: العربي، والفارسي) قد يرتفع الى ثمانية اقدام او تسعة اقدام، كما ان العواصف الجنوبية التي تستمر مدة طويلة قد ترفع شاطئء النهر قدمين او اكثر، بما تذروه من تراب وغبار. ثم ان سقوط الثلوج في ارمينيه وسقوط الامطار في الجنوب بصورة غير عادية قد يؤديان الى ارتفاع مستوى النهرين بصورة مفاجئة، وقد يسد زحل الارض مجرى الزابين الضيقين او مجرى الخابور، ثم لايلبث المجرى طويلا حتى يدفع بكمية ضخمة من الماء. واية واحدة من هذه الاحداث، او وقوع اثنين منها في وقت واحد قد يسبب فيضانا لاقبل لسدود السهل الجنوبي ان تصدها او تمنع اخطارها. وفي الازمنه السابقة للتاريخ حين كان الفلاحون البدائيون يزرعون المواسم بعد الفيضان، كان بالامكان تكييف الاستيطان بحسب التغير الدائم لتوزيع المياه والارض حتى ولو تكرر تدمير القرى مرات كثيرة، لكن المدن الكبيرة الثابته التي تعتمد على التجفيف والري تحتاج الى مجار مائية ثابته، وهذا لايتحقق الا بالمراقبة والكدح الشاقين، لان مياه دجلة الجارية بسرعة تجرف معها غرينا خشنا بحيث تنسد الاقنية بسهولة. حتى ولو نظفت سنويا فانها ترتفع عن السهل نتيجة للترسب، ومن هنا فان خطر انفجارها او انفجار النهرين لايستبعد ابدا. وفي عام 1831 ارتفع دجلة فجاة وحطم حواجزه وهدم 7000 منزل في بغداد في ليلة واحدة”(1).
والعزف نفسه يتكرر” “اما حضارة ارض الرافدين فقد نمت في بيئة مختلفة كل الاختلاف. ولئن نجد فيها الايقاع الكوني نفسه، بالطبع ـ تعاقب الفصول، سير الشمس والقمر والنجوم ـ فاننا نجد فيها ايضا عنصرا من القسر والعنف لم تعرفه مصر. فدجلة والفرات يختلفان عن النيل، اذ قد يفيضان على غير انتظام او انتظام، فيحطمان سدود الانسان ويغرقان مزارعه، وهناك رياح لاهبة تخنق المرء بغبارها، وامطار عاتية تحول الصلب من الارض الى بحر من الطين وتسلب الانسان حرية الحركة، وتعوق كل سفر. فهنا في العراق لاتضبط الطبيعىة نفسها، انها ببطشها تتحكم بمشيئة الانسان، وتدفعه الى الشعور بتفاهته ازاءها” (2) وهذا مايمكن او بمقدور العقل الأحادي المسدود الافاق ان يصل اليه كاستنتاج “شعور الانسان بالتفاهة ازاء الطبيعة” وليس تحديها والنزوع لخلق عالم مواز، خارج عنها كما فعل السومريون، واثبتوا بدليل منجزهم البدئي المذهل والهائل على مختلف الصعد، بما لا يترك حاجة للتساؤل عن خطل، ان لم يكن تفاهة العقل الذي يمكن ان يصف موقفهم من الطبيعة وقوة طردها وقسونه، بالتفاهة، الا اذا اعتبر فعل شبيبة العراق اليوم وهم يواجهون الرصاص الارضوي بصدور عارية، بالاخص في ارض سومر الأولى، المتجددة حضورا، والمنبعثة كسومر الحديثة، ارض المنتفك / الناصرية، موئل بداية تشكل العراق في دورتيه الأولى والثالثة الراهنه.
يوم وجدت المجتمعات، وجد نمطان ونموذجان، الأول الاعرق مجتمع لادولة وضد مجتمعية لايتجسد ارضويا، هو وبنيته وجموحه سماوي كوني، ذاهب الى الاكوان العليا، واخر ارضوي حين تمتد المقارنة بين نموذجيه الأصليين المتناقضين، نجد ان ارض مابين النهرين بالاصل هي ارض مجابهة اشتراطات البدء، مع نهرين لانهر واحد، عاتيين مدمرين مخالفين للدورة الزراعية، يفيضان عكسها، مقابل حالة النيل الموآتي المطواع الموافق فيضانا للدورة الزراعية، مايجعل من قاعدة الإحساس والنظر تبدا بالاصل في وادي الرافدين من منطلق لاجدوى الارضوية، ولا ممكنها أصلا وكينونه وبنية، بما يمنع اوليات التمايز التملكي والسلطوي لصالح كيانية لاتنتج من داخلها ولاتقبل من خارجها مطلقا، أي تمايز سلطوي ارضوي، ويحعل من بنيتها خارج ارضوية، وهو مالم يكن من قبيل الصدفة، او مما لايتصل بدلالة ومعنى وجودي شمولي أساسي، جوهره التحولية المجتمعية، بعد ان كانت حيوانية فردية ابان زمن التحول الحيواني من العضية، الى اللبونات، الى الكائن المنتصب، ثم انبثاق العقل في الجسد الحيواني وظهور الانسايوان.
ووادي النيل زيادة في حفاظ قوى الصيرورة الكونية العليا على صفاء وسلامه نمطه وسكونية ايقاعه، جعلت منه محميا من جهاته الشرقية والغربية بالصحاري، بينما اقحمت ارض الرافدين بهطول سيل الأمم، من الشرق والشمال والغرب، حيث الجبال الجرداء، والحصارى القاحلة، بما يجعل من ارض السواد قمة الخصب، مصبا للأمم والسلالات لايتوقف، ويجعل من جنون الحدود لازمة وجودية وكينونة، وكل هذا وغيره مما هو قصد مجافاة، وقسوة إضافية صادرة عن البيئة، كان من شانه أحيانا ان يصل بالعراق وسكانه الى الفناء.
وفي وقت قريب متأخر وضع كاتب شهير كرس حياته لقراءة هذا المكان بما متوفر لدية من قدرات ومنهجيات، قائمة تشمل حال هذا الموضع او جزءا منه، خلال قرابة ثلاثة قرون، لم يغب عنها الإعلان عن “فناء معظم سكان العراق” بسبب الأوبئة ومااليها ويوازيها، فجاء في مدونته (( 1621 مجاعة/ 1623 الفرس يذبحون” مئات الألوف” من السنه ويبيعون الافا منهم عبيدا/ 1633 فيضان/ 1633 فيضان/ 1638 مجزرة عامة نفذها الاتراك راح ضحيتها 30 الف شخص معظمهم من الفرس/ 1656 فيضان/ 1689 مجاعة ووباء/ 1733 حصار فارسي : اكثر من 100 الف ماتوا جوعا/ 1777 ـ 1778 حرب أهلية في بغداد/ 1786 فيضان ـ محصول فاشل ـ مجاعه ـ اضطرابات مدنية / 1802 ـ 1803 وباء ” فناء معظم سكان العراق( ؟!)/ 1822 وياء ـ فيضان/ 1831 وباء ـ فيضان ـ حصار ـ مجاعة ـ هبط عدد سكان بغداد من 80 الف نسمه الى 27 الف/ 1877 ـ 1778 وباء ـ مجاعه/ 1892 فيضان 1895 فيضان))(3) ولايتحدث هذا المقطع القرني في الغالب سوى عن بغدادبالدرجة الاولى، وهو حتى من هذه الناحية الجزئية، قابل لان يوضع في باب وحيد، لا صنف له من بين أي من تلك المعروفة على امتداد المجتمعات البشرية وكينونتها وآليات حياتها.
ـ يتبع ـ
مؤتمر تأسيسي تحولي و”قرآن العراق” ـ ب ـ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) فجر الحضارة في الشرق الأدنى/هنري فرانكفورت/ ترجمة ميخائيل خوري/ ص ص 66 ـ 67 / منشورات دار مكتبة الحياة/ بيروت/ الطبعة الثانية.
(2) ص ص146/ 147. توكيلد جاكبسون/ ماقبل الفلسفة : الانسان في مغامرته الفكرية الأولى/ هـ فرانكفورت /ـ جون،أ،ولسون ـ / ه،أ، فرانكفورت/ توركيلد جاكبسون/ ترجمة جبرا إبراهيم جبرا/ المؤسسة العربية للدراسات والنشر/ ط2 1980.
(3) حنا بطاطو/ العراق : الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية من العهد العثماني حتى قيام الجمهورية/ الكتاب الأول/ ترجمة عفيف الرزاز/ مؤسسة الأبحاث العربية/ ص 34.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *