ليلة مناضل

latifa_aldlimy

عبد الله الكرضة

كانت الساعة تشير إلى الثالثة صباحا، والهدوء يخيم على كل المنزل في جميع الغرف، كان أزيز الثلاجةالوحيد الذي يسمع في المطبخ، وصوت دقات عقارب الساعة الموضوعة عن يمينه فوق الطاولة لا أكثر، كان يمازح زوجته سعيدة بنكث ساخرةحول النساء وطبائعهن، أما هب فكانت جالسة بجانب ابنتها حسناء التي تتابع دراستها في سلك الماستر بكلية الآداب، إنها فلذة كبدهما الوحيدة بعد فقدهما لابنين ذكرين في حادثة سير منذ عشر سنوات. كانت حسناء تؤنس أمها وتحاول أن تجعلها أكثر قوة في الصبر على ما تعانيه من تعب خدمة الأب، لقد فقد شعوره بالنوم بعد مدة من فقدانه لابنيه وأصبح لا ينعم بالنوم إلا قليلا.
انصرفت حسناء لقضاء أغراضها وتبعتها الأم تاركة إياه وحيدا ينصت لصوت دقات عقارب الساعة ممزوجا بأزيز الثلاجة، وهو يكرر في نفسه عدد حبات التسبيح في قبضة يده “سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر”،لم يطل هذا الهدوء كثيرا حتى كسرته موجة من الشعارات لجماهير الشباب بدأت تتضاعف وتقوى شيئا فشيئا، أمعن السمع جيدا ولم يستطع تبين الأمر، سمع شعارات قوية متقطعة مشتتة هنا وهناك تقترب من المنزل من كل الاتجاهات، كانت حسناء وأمها قد بادرتا الصعود لسطح المنزل لمعرفة حقيقة الأمر، وقد سمع صعودهما في الدرج نحو السطح فآلمه ذلك وأضمر معاناته مع الألم الشديد في ساقيه الذي يمنعه من الحركة أو مغادرة السرير الذي أصبح جزءا منه من طول الاستلقاء عليه، نزلت حسناء بسرعة وأخبرته أن موجة الشعارات هي لشباب ينتقدون الوضع المزري الذي أصبح يعيشه التعليم والمعلمون في البلد، إنها لأساتذة قرروا مبيتا ليليا أمام مقر أكاديمية التربية والتعليم احتجاجا على الظلم والحيف الذين يعانونهما في مقرات عملهم، هز لها رأسه هزة تحمل كل المعاني؛ من شكرها على إخباره بما يحدث، ومن حزنه على ما يحدث، ومن سخطه على المسؤولين، ومن ألم معرفته حقيقة هذا الوضع، ومن ذكرى ابنيه الغاليين، ومن أمرهلابنته بالانصراف لمتابعة الحدث من سطح المنزل.
عادت حسناء أدراجها إلى السطح وقد انطفأ نورها بعد أن كانت كالبدر تضيء المنزل ليلا وتنير ظلمة الحي نهارا، إثر هزة الرأس التي أومأ بها لها في غرفته، شعرت المسكينة بخيبة أمل شديدة وقد كانت تظن أنه لن يتأثر بالخبر. أحست في نفسها بألم المعاناة التي تحيط بأبيها من كل جانب؛ ألم المرض وألم ذكريات الماضي وألم الوحدة والعزلة التي فرضها عليه عدم القدرة على الحركة. لم تمض إلا لحظات قصيرة وأصبح المنزل محاطا بجيوش من الأساتذة الشباب ذكورا وإناثا يرددون الشعارات في هلع وخوف وحماس وعزيمة، ومشاعر الكرامة تغلي في دمائهم وتتدفق معه كلما أصيب فرد منهم بعصى جنديأو بركلة شرطي أو اصطدام بحاجز لم ينتبه إليه خلال الكر والفر. لم يبخل على الوضع بكرمه النضالي الذي تربى عليه طيلة حياته مذ أيام الدراسة الجامعية بالحرم الجامعي،وفي الساحات العمومية في مختلف المدن، وفي شوارع العاصمة رفقة النقابات و التنسيقيات الوطنية للأساتذة؛وبدأ يردد في نفسه الشعارات التي يسمع بدل ترديد عبارات التسبيح والحمدلة، “لسنا مشاغبين بحقنا مطالبين، “soit اليوم soit غدا…”، يا وزير يا مسئول…”.
لم ينتبه لمرور ساعة من الوقت وهو يردد الشعارات التي التقطتها أذنه كما يلتقط المغناطيس الأجسام الحديدية فتلتصق به التصاق الرضيع بثدي أمه، كما لم ينتبه لدخول الزوجة وجلوسها قبالته دون أن تنبس ببنت شفة أو تعليق على الحال التي وجدته عليها، قالت بعد هنيهة محاولة قطع سهوه وغرقه في تلك الحال: ما بك يا رجل؟ كنت أطمع أن تنام هذه الليلة الباردة عساك ترتاح قليلا من غصتك ومرضك، ولكن حال هؤلاء الشباب المساكين حالَ دون رغبتي في نومك. إنهميركضون في أزقة الدرب كفئران تلاحقهم القطط، وحناجيرهم تكاد تتمزق حبالها الصوتية بشعارات مدوية تدمي القلب وتدمع العين تأثيرا وتأثرا. أجابها مطأطأ رأسه ناظرا إلى تسبيحه في يده الممددة على الوسادة السوداءفي حضنه، “إني بشعاراتهم وحولها أدندن”.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *