كلنا صفاء السراي

latifa_aldlimy

احمد سعداوي

في حياته لو قاتل صفاء إبن ثنوة بيديه وأسنانه حتى يكون رمزاً وبطلاً لربما فشل. لأنه ببساطة “واحد من الناس” وواحد من الشباب ويشبه الآلاف منهم في كل مدن العراق وأقضيته ونواحيه وقراه.
لا يملك قدرات سوبرمانية ولا سحراً خاصاً. إنه الشاب العادي الذي تلتقيه في كل مكان، في شارع المتنبي وفِي المطعم، في الجامعة و”الجامع”، في الزيارات الدينية، وفي البارات الشعبية الرخيصة في شارع السعدون والبتاويين. يبيع الملابس المستعملة في سوق هرج، أو يقرأ لك مقاطع من شعر مترجم. يرتاد المقاهي و”يؤرجل”، يلعب الألعاب الالكترونية على هاتفه المحمول حين شعر بالملل، ويشارك في التظاهرات مرّة تلو أخرى رغم عدم يقينه أنها ستغيّر شيئاً، ولكن فقط ليرتاح ضميره، فيقول لنفسه أنه فعل شيئاً ما على الأقل.

إنه شخصٌ يشبهنا كثيراً، وما هو أهم؛ يشبه آلاف الشباب الذين خرجوا لساحات التظاهر في التحرير ببغداد ومختلف المدن العراقية.

يشبههم/ يشبهنا لأنه ليس عقائدياً منغلقاً، ولا يرى الوطن من ثقب العقيدة، فهذي الأخيرة مهما اتسعت تبقى مجرد ثقب ضيق قياساً بمشهدية الوطن ورحابة رقعته.

لقد جربنا طوال العقود الماضية كيف أن النظر الى الوطن من ثقب العقيدة والأيديولوجيا الضيق جلب الخراب للوطن، حتى مع حسن النوايا، ويجرب الشباب اليوم النظر الى الوطن – كما فعل صفاء – بالعين المجرّدة.

لقد غدا صفاء شهيداً ورمزاً لا لأن موته يخضع لتفسيرات منظومة عقائدية أو إيدولوجية جاهزة لها مريدوها ومطبلوها وجيوشها وردّاحيها، وانما لأنه مات وهو يسعى لرؤية وطنه بالعين المجردة، ولأنه يشبه الآلاف غيره، من الواقفين الآن في ساحات التظاهر.

إن قوة الرمزية في إبن ثنوة اليوم ليست من مكوناته الشخصية، ولا من نمط حياته وما يأكل ويشرب ويلبس، وانما مما صنعه هو بحياته، وما قام به بموقفه الوطني/ العاطفي من تحويل لتراب وطين الحياة اليومية التي اختتمت بلحظة الشهادة الى ذهب الموقف الذي سيبقى مشّعاً، ما دامت الساحات ممتلئة بشبابٍ يشبهونه.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *