في بلاد العراق : الوضوح والاضطراب

latifa_aldlimy

الدكتور نبيل ياسين

كل هذا الاضطراب يجعلنا نعيش في العدم، العدم اللامرئي، بسبب الظلمة التي يولدها، نضطرب في عصر ظلام جديد، ونبدو وكأننا نحمل شموعا لنضيء ولكمنها في الواقع لم تكن سوى ماينعكس على عيوننا ، لم نكن نبصر شيئا سوى ظلال الاضطراب، وليس هناك وضوح، ليس هناك سوى الاعتقاد الواهن باننا نرى ، ولم تكن تلك الظلال سوى العدم اللامرئي
يتسع الاضطراب في انعدام الرؤية ، الذي يجعل من العبارة شكلا هلاميا لايتجسد الا في الوهم ، وكل مانقوله عبارة عن كلام لزج يلتصق بالمكان ولايبقى في الزمن ، فالزمن مادة صابة تتجمد لتكون الجسور التي يعبر عليها المارة في طريقهم الى التيه والعدم
مامن سبيل الى الوضوح الا بالعودة الى ماقبل البداية، حيث لم يكن هناك وقت ولا باب، فحين تصنع بابا فانك تصنع اجتمالين، ان تفتح الباب او تغلقه عليك الى الابد، فالعزلة التي نختارها لا باب لها سوى الوضوح، في هذه العزلة يمكن ان نشعل شمعة لنرى ، ونتأمل في كيفية تلافي هذا الاضطراب الذي يصنع حياتنا كما يريد
عالم سفلي يطفح بما يطفو، ليس هناك من كنز او لقية، كل مايطفو بقع ، بقع سرعان ما تتحلل وتذوب وتأتي بقع غيرها ، عالم سفلي ليس اكثر من ديكور ، زينة مبهرجة فارغة سرعان ما تزال حين يتغير المشهد ، فالمشاهد كلها يقدمها الاضطراب، الاضطراب الطاغي، الرنان، الذي ينسج العالم المزيف ، انه يحتفظ وراء الكواليس بالممثلين الثانويين ليقدمهم ابطالا ، فهو لم يعد يهتم بالمأساة وانما بالملهاة، لم يعد هناك ابطال في المشهد ، انهم ممثلون ثانويون يجسدون الاضطراب الطاغي، الاضطراب الجاد وهم يقدم سخريته اللاذعة
قوافل كثيرة مرت، غابت وراء الرمال او الاشجار او الخيام او الواحات، مرت كما يمر الوقت، لاقيمة للزمن اذا تكرر واصبح مماثلا للاضطراب، فالاضطراب يتكررى يصبح مطابقا لليوم والساعك، مطابقا للاسبوع والشهر ، حتى يكمل العام تاركا الزمن بدون معنى، كلما التفت باحثا عن وضوح، وضوح على الارض، ارض الرافدين، ارض السواد، ارض الله، ارض المدن التي تسقط منذ سقوط اور ، ارض الترانيم التي تعقب سقوط الابطال ، ارض النواح على تموز والحسين ، فماذا لو كان الحسين قد سقط على ارض اخرى، بعيدا عن النواويس وبابل وكربلاء؟ هل كان يحظى بكل هذا النواح وكل هذا النحيب؟ هل كانت كاهنات بابل اللواتي يندبن تموز عبر الملايات؟ لا اظن ان ارضا شهدت ندابات ونواحات مثل ملايات بلاد الرافدين ، هل كل هذا الندب من اجل الوضوح؟ ام من اجل مزيد من الاضطراب؟
لمونتحدث عن طقوس تقديم القرابين البشريك في بلاد الرافدين، فلكي يتجنب البشر الاضطراب الذي تحدثه الآلهة كانوا يقدمون لها الضحايا من البشر ليحصلوا على قليل من الوضوح، ما اغلى الوضوح في بلاد الرافدين!

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *