فتاة كردية من “ذوي الاحتياجات الخاصة” تفتح محلاً لبيع الورود لتأمين تكاليف علاجها

latifa_aldlimy

صلاح حسن بابان

قررت “كولشن صالح” وهي فتاة كردية من ذوي الاحتياجات، فتح محلٍ لبيع الورود لتأمين تكاليف علاجها بعد أن خذلها المسؤولون في كردستان ورفضوا مساعدتها لأنها لا تنتمي لحزب سياسي، وهذا ما كان عائقاً في تحقيق حلمها للسفر الى احدى الدول الأوروبية لتلقي العلاج فيها.

كولشن ذات الـ23 عاما تعيشُ مع أسرتها المتكوّنة من عشرة أشخاص، وهي تدير لساعات يومياً محل الزهور الذي افتتحته في شارع “بينجوين” وسط قضاء سيد صادق (60/كم شرقي السليمانية).

“صباح كوردستان” قطعت عشرات الكيلو مترات من السليمانية الى قضاء سيد صادق، لتنقل القصة الكاملة لكفاح “كولشن صالح” على لسانها دون أي اضافة أو نقصان والتي تعتبرُ حالة من عشرات حالات “ذوي الاحتياجات الخاصة” في الاقليم، الذين يكافحون لتأمين حاجاتهم وحاجات عوائلهم وسط اهمال حكومي ومنظماتي وضعف وأحيانا انعدام المساعدات المالية التي تقدم لمن يعانون من تلك الأوضاع الصعبة.

اسمها ونشأتها

تقول: اسمي (كولشن صالح) من مواليد تشرين الثاني 1996 في قضاء سيد صادق التابع لمحافظة السليمانية، ولدتُ في أسرة متوسطة الحال تتكون من عشرة أشخاص، خمس بنات، وثلاثة اخوة، مع والديّ، وتسلسلي الخامس بين اخواني.

وتضيف: “مثل أيّ فتاةٍ أخرى، كانت ليّ الكثير من الأحلام والطموح والأهداف، رسمت لها الخطط مع اللحظات الأولى من اندلاع شرارة الاحساس والشعور لديّ، إلا ان القدر كان له كلام آخر فغيّر كل شيء في حياتي، وجعل لأهدافي وطموحي خريطة أخرى، غير التي وضعتها ورسمتها”.

بداية المآساة

وتتابع كولشن روايتها لحياتها: “قبل نحو تسع سنوات كتب القدر رواية جديدة لحياتي، من خلال فقداني لساقيّ، وبقائي مقعدة على كرسيّ متحرك، لا أستطيع التحرك إلا بمساعدة أحدٍ من أفراد أسرتي”.

وتوضح “في لحظة سوداء، تهدّم بيتنا فجأة دون معرفة السبب، كان ذلك في عام 2010 عندما كنتُ في الرابعة عشرة من عمري، الزمن اختارني أنا لأكون وقوداً لغضبه من بين اخوتي، خسرتُ قدميّ، والفقرة الحادية عشرة في عمودي الفقري، مما أدى اصابتي بشلل كامل في ساقيّ، وعدم قدرتي على السير كما كنت في السابق، وذلك بعد انسداد أوعية الدم في احدى الخلايا بالعمود الفقري ومنذ ذلك الوقت وأنا مقعدة لا أستطيع الوقوف و السير على قدمي”.

120 ألف دولار ثمن الشفاء

كولشن اشارت الى امكانية ايجاد فرصة لعلاجها خارج البلاد ولكنها تتطلب مبلغاً لا تستطيع تأمينه: “بعد مراجعتي للعديد من الأطباء واجراء عشرات الفحوصات، كان هناك أمل بسيط لمعالجتي في كردستان لكن بسبب التكاليف العالية لم أتمكن من ذلك، ومع مرور الأيام، أصبحت حالتي أكثر تعقيداً وأصبح من المستحيل معالجتي في الاقليم، وعليّ التوجه نحو بريطانيا وألمانيا وبتكلفة مالية ضخمة جداً لا تطيقها عائلتي”.

تستطرد كولشن: “أبلغوني الأطباء في ألمانيا وبريطانيا بعد ارسال التقارير الطبية الخاصة بحالتي أنه يمكنني السير على قدميّ كما كنتُ قبل الحادثة بعد سنة ونصف تماماً من اجراء العملية وتلقي العلاج اللازم من الأدوية والابر بتكلفة تصل الى أكثر من (120 ألف دولار أمريكي) لكن عائلتي لا تستطيع تأمين هذا المبلغ الضخم حتى الآن”.

المسؤولون رفضوا مساعدتي

تقول كولشن متحدثة عن محاولاتها للحصول على مساعدة من مسؤولين في الاقليم أو ناس ميسورين وهو أمر شائع يتوجه اليه الكثير من مواطني الاقليم حين يعجزون عن تأمين متطلبات علاجهم في المستشفيات العامة: “بعد اصابتي بهذا المرض، طرقتُ أبواب العديد من المسؤولين في حكومة كردستان والأغنياء لمساعدتي ومنحي فرصة أخرى للسير على قدميّ، لكن كل محاولاتي بائت بالفشل، ولم يساعدني أي مسؤول في كردستان لأنني لستُ حزبية، ولو كنت أنتمي الى حزب كبير وأقوم بالدعاية له لتغير الأمر”.

وتضيف: “مسؤول رفيع في حكومة الاقليم كان قد وعدني عند حديثي معه أن يتكفّل بمصاريف علاجي في أوروبا لكن بعد أن علم بأنني لستُ حزبية، اعتذر عن ذلك بحرف الواحد وقال لي: أسف لا استطيع مساعدتك لأنكِ لستِ حزبية”، وكذلك الحال تكرر مع مسؤول آخر في الحكومة الحالية ووعدني لأكثر من مرة لكن نفس الكلام تكرر ولم يساعدني أبداً.

كولشن تابعت فيما التمعت عيناها بالدموع: “في الانتخابات الأخيرة، وعدني أحد الأشخاص وأمام ألفي شخص بتجمع جماهيري بأنه سيتكفّل بمصاريف علاجي وسفري الى أوروبا، لكن بعد أن حصل على منصب رفيع في أربيل قال لي: أنا لستُ مضطراً لعلاجك، للاسف لقد تاجر بحالتي وربما حالات أخرى للدعاية لنفسه ولينال المنصب…”.

لدقائق توقفت كولشن عن الحديث وغطت وجهها بيديها، وكأنها تحاول جمع قواها ونسيان ذكرياتها المريرة مع ساسة يستغلون كل شيء لدعايتهم الانتخابية، قبل أن تتابع متحدثة عن محاولتها لتغيير حياتها: “بعد فشل جميع المحاولات في الحصول على مساعدة لمعالجة حالتي، قررت ان أفتح محلاً لبيع الورود في وسط المدينة وجمع المبلغ اللازم بنفسي لتأمين تكاليف العملية، كردٍ على جميع الذين خذلوني وجعلوني أعيش حالات اليأس وحتى لا أصبح عبئاً على عائلتي واخواني”.

وتضيف: “أقول لكل الكذابين الذين لم يصدقوا بوعدهم معي، بأنني سأتعالج وأحقق جميع أهدافي وطموحاتي بعون الله وبالأمل الكبير الموجود في داخلي”.

وتشرح كولشن كيف تتدبر ادارة محل الورود، الذي تفتح أبوابه عند التاسعة صباحاً ولغاية السابعة مساءً: “كلّفني فتح هذا المحل أكثر من ثلاثة ملايين دينار عراقي، وأدفع ايجارا شهرياً يبلغ 200 ألف دينار عراقي، وتساعدني شيماء زوجة أخي وتبلغ 20 عاماً في تيسيير شؤون المحل”.

عائلتي كسرت تقاليد المجتمع

وتقول: “أنا أنتمي لمجتمع تحكمه العادات والتقاليد العشائرية الى حدٍ بعيد، وخروج فتاة من ذوي الاحتياجات الخاصة مثلي الى العمل ليس بالأمر السهل، لكن عائلتي كسرت هذه الحواجز ووقفت معي وساندتني مادياً ومعنوياً ولولاها لما كنت وصلت الى هذه المرحلة”.

وتؤكد كولشن انها لم تواجه مضايقات الى الان في عملها: “الأمور في المحل تجري بشكل طبيعي ولم أواجه مضايقات كبيرة رغم ان المجتمع ليس من السهل عليه تقبل عمل الفتاة خاصة من هم في حالتي”.

العودة لمقاعد الدراسة

وبشأن دراستها، تقول: “منعني فقداني لقدميٍ من مواصلة الدراسىة لعامين كاملين، وأصبحت في حالة يأس كبيرة جداً، وكنتُ لا أخرج من البيت أبداً بسبب كلام المجتمع القاسي والتعابير الوحشية التي كنتُ أسمعها من الناس، لكنني قررت كسر العجز، واكمال الدراسة، وعدتُ الى مقاعد الدراسة، والآن أنا في الصف الخامس الثانوي، وأطمح باكمال دراستي والتخصص في الحالات النفسية بمجال الطب أو الهندسة”.

وتتابع: “لم أتوقف عند ذلك دخلت عالم الصحافة والكتابة، ويوم بعد اخر أحقق اهدافي وطموحاتي، لا يوجد شيء صعب في حياة الانسان مهما كانت ظروفه قاسية فقط يحتاج الى ارادة ليحقق ما يريد، وسأستمر في مسيرتي ولن أتوقف عند نقطة معينة أبداً”.

أكثر شخص يستحق الشكر

كولشن خصت نفسها المقاومة بالشكر لأنها مكنتها من النهوض مجدداً: “اذا كانت هناك ضرورة لأن أشكر شخص ما على دعمه ومساندته لي ازاء كل هذه المصاعب التي واجهتها في حياتي بعد تعرضي للاعاقة، فهو “نفسي أنا” نعم، لا تستغربوا ان قلت ان “نفسي أنا” فقط هي من تستحق الشكر، لأنها لم تتركني لوحدي بعد ان خذلني جميع من كان ليّ أمل بهم لمساعدتي، وقفت معي في السراء والضراء، في الليالي السوداء، والأوقات الصعبة كانت دائماً في جانبي تمنحني شحنات الشجاعة لمواجهة الحياة ومطباتها”.

تضيف: “في نفس الوقت أقول لجميع الذين خذلوني بأنني لن أسامحكم أبداً على ما فعلتموه معي وخذلانكم ليّ، وأقول لهم أيضاً ضعوا أنفسكم بمكاني كيف سيكون حالكم ووضعكم ان أصبحتم مثلي مقعدة، عندها بكل تأكيد ستعرفون حجم المعاناة التي أعيشها”.

كولشن تنقل الكثير من جوانب معاناتها مع الاعاقة التي سجنتها داخل كرسي أو على سرير لا تستطيع النجاة منه، تقول: “في بعض الأحيان أعطش أو أشعر بالجوع في الليل، لكنني لا أستطيع ان أنادِ على أحد من أفراد عائلتي ليجلب لي كأس من الماء او يجهز لي الطعام وهم نيام، وهذا ما يجعلني أسهر مع الجوع والعطش الى الصباح الباكر، وهذه واحدة من أقسى وأوجع اللحظات التي أعيشها منذ فترة وباستمرار…”.

بماذا تحكم على من خذلاها..؟

حتى في أصعب لحظات حياتها تؤكد كولشن انها تتسامح مع كل من خذلوها: “كثيرون هم الذين خذلوني ورفضوا مساعدتي وأنا في أمسّ الحاجة لهم، لكن لو شاء القدر بأن أحكم عليكم كـ”جزاء” لخذلانهم لي، سأهديهم وردة كأقوى حكم أطلقه عليهم وعلى الجرح الذي سببوه في داخلي، لأنني لايمكن أن أصبحُ قاسية في يومٍ من الأيام مثلهم”.

وعن امكانية الارتباط تقول: “أنا أعيشُ في مجتمع عشائري يحتم على الفتاة الزواج في وقت مبكر، ومنذ سنوات يتقدمُ العديد من الشباب لخطبتي، وأعلن الكثير من الشباب عن استعدادهم للزواج بيّ وأنا بهذا الوضع، لكن بالنسبة لي السير على قدميّ في هذا الوقت أهمُ من الزواج أو أي شيءٍ آخر، ولن يفرحني شيء في هذه الحياة سوى السير على قدميّ كما كنت في السابق..”.

تختمُ “كولشن صالح” سيرة حياتها لـ”صباح كوردستان” وهي تقول بحرقة قلب “كل ما أريده هو أن أقف على قدمي مجدداً، وسأكون ممتنة لكل من يساعدني لأستعيد قدمي وحياتي…”.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *