علبة السجائر

latifa_aldlimy

آريان صابر الداودي

في نهارٍ مشمس ، بعد المحاضرة الثانية ، أمام الكافتريا الصغيرة في كلية التربية بجامعة كركوك ، إجتمعنا مع الأصدقاء ، نحن سبعة ، كروب صغير ، ثلاثة من أعضاء الفرقة المسرحية ، إثنان من أعضاء فرقة الدبكات الكردية ، شاعر شعبي ، كاتب مسرحي ، تجمعُنا منضدة الكافتريا وتُفرقنا المحاضرات ، ساعتها أخرجت آخر سيجارة من علبة التدخين قبل أن أضعها داخل سلة المهملات ، جلسنا حلقة دائرية حول المنضدة ، نناقش النشاطات القادمة ، تبادلنا أطراف الحديث دون أن نشعر بالوقت ، طلبنا الشاي ، المدخن عادة ما يهوى سحب الدخان مع كاس الشاي ، نسيت بأني لا أملك في جعبتي علبة السجائر ، وتذكرت بعدم السماح لكافتريا الكلية بيع السجائر ، طلبت من صديقي (دانا) الذي كان عضواً في فرقة الدبكات الكردية أن يعطيني سيجارة ، فرفض مبتسماً وقال :
– (بختيار) أنت تُمثل ، والممثل يجب عليه أن يُبدع ، والإبداع بدون علبة التدخين أمر في غاية الصعوبة .
– ومن قال أن هناك علاقة بين السيجارة والفن ؟
– جل المبدعين يُدخنون ، لإنهم يدخلون عالمهم الخاص ، اسف لا أستطيع أن أعطيك سيجارة لكي تتعلم أن تشتري علبة جديدة قبل نفاذ المستعملة .
تدخل صديقنا ( ناسراو ) بإبتسامة مصطنعة :
– هناك حل ….
– ما الحل ؟
– أنا إشتريت علبتين ، سأعطيك إحداها ، لكن بشرط .
– بشرط ! ما بك ؟
– أنت ممثل … بل فنان .. دعنا نرَ قُدراتك … سأختارُ لكَ بنت وأنت تذهب وتتكلم معها … حتى لو تقول لها ممكن أعرف كم الساعة الان ؟ المهم تتكلم معها وترجع لنا … مبارك عليك علبة السجائر.
– أتعني اننا نخوض تحدياً؟
– نعم … دعنا نقول (تحدي).
– حسناً … موافق أنت حُر من تختار .
بين إبتسامة الأصدقاء والقهقهات إختار (ناسراو) إحدى الطالبات ، أشار اليها بسبابته الطويلة التي تشبه سبابة عازفي الالات الوترية ، تشبه منقار طائر وحشي ، قال :
– أترَ تلك التي تلبس الربطة الزرقاء ؟ الجالسة بالقرب من الوردة الصفراء ، مع بنتان … قاطعت كلامه
– أتقصد تلك التي تأكل الشكولاتة ؟
– نعم … أحسنت.

قمت من مكاني ، طلبت منهم الدعاء ، كأنني في مهمة رسمية بين إبتساماتهم ، خطوت خطواتي الثقيلة ، إبتعدت عن مجلس أصدقائي ، إقتربت اكثر من مكان جلوس تلك الرقيقة ، تقدمت رويداً رويداً ، دخلت حديقة الكلية ، متوجهاً نحوها ، تارةً أنظر الى طريقي وتارةً أُدير رأسي أُشاهد إبتسامة أصدقائي ، لم يبقَ سوى بعض الخطوات ، تذكرت أمراً ، في المجتمع الكركوكي يعيش الكرد والعرب والتركمان ، كيف أتحدث معها ؟ أي لغة أختار للحوار ؟ كيف أبدأ ؟ هي تجلس برفقة صديقتيها ، أثناء هذه الدوامة من التفكير وجدت نفسي بينهن ، أنتهى وقت التفكير ، عليّ بالكلام . بختيار عليك أن تفكر إنك على خشبة المسرح ، عليك بالتمثيل (قال لساني) .
بدأ الخطاب التاريخي :
– السلام عليكم …
ردت صاحبة السمو بصوتها العذب :
– عليكُم السلام … وأتبع صديقاتها بِرد السلام.
توجهت نظراتي صوبها ، بدأتُ الحوار باللغة التركمانية (عرفت انها تركمانية) لانها قالت (عليكُك السلام) بضم الكاف … قلت لها :
– لو سمحتِ .. أُريد أن أتكلم معكِ في موضوع .. ممكن تتفضلي معي من رخصة الجماعة .
– موضوع ! حسناً .
تركتْ الشوكولاتة على كرسيها وأندفعت معي خارج أسوار الحديقة … هناك مكان قريب ، قليلة الضوضاء ، لمحُت أصدقائي ، يضحكون بأعلى أصواتهم.
توقفتُ في المكان الذي كنا نقصده ، توقفت امامي ، إنبهرت بجمالها ، قلت لها بكل لباقة :
– انا بختيار ، اأدرس في قسم اللغة التركية ، أختصر عليكِ الكثير من الأُمور ، أنا معجبٌ بكِ ، كنت معجب بخطواتكِ وملابسكِ أثناء التكلم المشي مع صديقاتكِ ، أنتِ جميلة .. أجمل منهن . قاطعت كلامي :
– لكنني لا أتخيل انني رأيتك من قبل ! .
كانت على حق ، فأنا أيضا لم أراها من قبل ، هذه المرة الأولى ، ربما إنعجبت بها الان ، رغم كل شيء فأنا تكلمت معها إذاً ربحتُ علبة السجائر ، عليّ الان أن أربح هذه الجميلة السمراء أيضاً . بين صمتي ونظراتي صوب تضاريس وجهها قالت :
– لحظة .. لحظة ، ألم تكن أنت ممثل المسرحية في حفلة التعارف قبل أسبوع ؟
– هل كنتِ هناك ؟ نعم … انا كنت أُمثل.
– اذا أنت ( جويسم ) كيف تجيد اللغة التركمانية بهذه الطلاقة ، ألست كردياً ؟ .
أبتسمتُ ، (جويسم) كان إسمي في اخر عرض مسرحي أديتها ، قلت :
– (جويسم … بختيار) ، لا يهُم ، أنا كردي وأُجيد العديد من اللغات … المهم ما اسمكِ ؟
– انا (دنيا) طالبة في قسم اللغة العربية .
– حسناً عزيزتي … لا أرغب أن أهدر الكثير من وقتكِ ، فكري بالأمر وأنا أنتظر ردكِ.
– أعتذر …. لا جدوى من التفكير ، فأنا هنا من أجل الدراسة لا العلاقات الغرامية .
– حسناً … شكرا لسعة قلبكِ ، تشرفت بمعرفتكِ.
– لي الشرف يا جويسم … ( قالها وهي تبتسم ).

إفترقنا وتوجهتُ نحو أصدقائي ، مازالوا يضحكون قال( ناسراو ) تستحق علبة السيجارة ياصديقي .. بل تستحق كلواز لأنك أمضيت أكثر من عشر دقائق برفقتها … مدهش أنت .
أستلمتُ العلبة .
في اليوم التالي عندما كنت جالساً في الركن الشرقي من الحديقة مقابلاً (نافورة الماء) ، أُقلب أوراق محاضرة الأدب التركي ، سمعت صوتاً شجياً : – سلام عليكُم .
هي(دنيا) …. بكامل قواها العقلية وجمالها الجسدية، إستأذنت أن تجلس معي ، أصبحنا أصدقاء حتى بعد التخرج وعندما علمت بقصة علبة السجائر إندهشتْ مع إبتسامة مضحكة قبل أن تتحول الى قهقهات .

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *