عالم بلا أخلاق وبلا ضمير

latifa_aldlimy

الدكتور عـبد القادر حسين ياسين

معروف أن “البؤساء” لفيكتور هـوغـو هي رائعة الأدب الفرنسي،
وإحدى روائع الأدب الـعـالـمي.
قصة رجل بائس يدعى جان فالجان ،
يضبط وهو يحاول سرقة رغيف ،
فيمضي بقية حياته من زنزانة إلى زنزانة،
وكلما حاول الهرب ، صدر عليه حكم أقسى،
وكلما تخفى عثر عليه المفتش جافير،
الذي لا يمثل القانون بقدر ما يمثل الإنسان المريض،
السادي، والمتمتع بالانتقام الصغير.

لا أعرف كم مرة قرأت “البؤساء” فتيا،
وكم مرة شاهدتها فيلما.
وعندما حوَّلها أندرو لويد ويبر إلى مسرحية في لندن،
كنت أول الحضور بعدما استطعت العثور على تذكرة ،
اشتريتها من السوق السوداء.
وكان ذلك بعد سنوات من البدء في عرضها.

ما هو سر “البؤساء” ونجاحها منذ القرن التاسع عشر؟
تعاطف البشر (غير منتحلي الصفة) مع المظلومين والمساكين.

لو كان جان فالجان قاتلا أو لصاً كبيراً لما كان موضوع رواية،
بل لكان ظل موضوع تقرير شرطة عاديا.
إلا أنه هـنا قـضية إنسانية ، لا مجرد بطل رواية أو حكاية،
يتنقل مظلوما في عالم من الفقراء والبؤساء ،
والأيتام المشردين ، الذين لا ذنب لهم،
يتفرج عليهم المجتمع دون أن يراهم.

قبل أعـوام طلب المدعي العام في بلدة بادالونا البرتغالية،
السجن عاما ونصف العام لرجل حاول سرقة رغـيف.
كتب أديب البرتغال، جوزيه ساراماغـو، ينصح الرجل بقراءة “البؤساء”.
لكنه استدرك:
“لا.. لا.. هـذه رواية تُقرأ في سن معـيَّنة،
وقبل أن يبلغ المرء مرحلة اللامبالاة”.

كان ذلك، بالنسبة إليّ، أهم ما قرأت في تحليل الرواية.
أتذكر الآن وأنا أشاهد من جهة هذا العالم المتوحش، اللامبالي،
ومن جهة أخرى خيام السوريين في ثلوج تركيا والأردن ولبنان.
صقيع القلوب الكافرة أفظع بكثير من الطبيعة وبرودة شتائها.
أطفال بلا رغـيف ، وبلا حطب ، وبلا وطن ، وبلا أمة،
وعالم بلا أخلاق وبلا ضمير وبلا ذمم ، وبلا فروسية وبلا رجولة.
عالم تجاوز سن المشاعـر والأحاسيس ومخافة الله،
يحيل ملايين البؤساء إلى المؤتمرات والمنظمات،
من الجامعة العربية إلى الأمم المتحدة،
لـقــد تجاوز هذا العالم سن قراءة “البؤساء”.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *