عالم برؤيتين: ونٌذر- آخر الزمان

latifa_aldlimy

عبدالامير الركابي

يتغلب الزمن الأحادي المجتمعي طيلة تاريخ المجتمعات، فلا تلحظ فضلا عن ان تدرك، المجتمعية المتعذرة على التجسد ارضويا، ومع ان هذه تشخص حاضرة خارج الإحاطة العقلية، وابتداء، الا انها تعجز عن ان تحقق الكامن التحولي ضمن كينونتها، لافتقارها، على الرغم من توفرها على البنية التحولية، الى الأداة ووسيلة الإنتاج التحولية المادية المطابقة لمقتضيات التحول، ومع اقتصارماتملكه تحوليا على الكينونة البنيوية دون السبب المادي الضروري، فانها تظل عاجزه عن انجاز مهمتها المنوطة بها عند بداية ومفتتح تبلور المجتمعية، بانتظار انبثاق العامل او الأداة المادية التحولية عند اخر زمن الأحادية بينما تستمر بالتعذر رؤيةغاية المجتمعية، والمضمر المكنون فيها، وهو مايستغرق كل الفترة الممتدة من اكتمال مقومات وعناصر المجتمع بصيغته التحولية، الى قرب زمن الانتقال والتحول، أي بدء انتهاء المجتمعات واستنفادها الغرض منها وممكنات استمرارها، وهو مايوافق منتصف الالفية الثانية بعد ولادة المسيح كما هي معتمده.
وقتها يحل طور “التفارقية الرباعية”، ويصير العالم على المفترق الانتقالي الفاصل بين اللحظة التحولية المنتكسه لمجتمع العيش على حافة الفناء، مجتمع اللادولة، وتعذر التجسد الارضوي، المؤجل التحول، السومري، وبين التفارقية بعناصرها الأربعة: الصعود الأوربي والانتقال من الإنتاج اليدوي الى الالي، وحلول مرحلة البرجوازية المصنعية ومايرافقها ويتصل بها وينطق باسمها من نمط تصورات ونموذج حياة، ودولة، ونظم مجتمعة. مقابل اخر تجليات ومتبقيات الدورة الثانية التاريخية المبتدئة من القرن السابع مع الثورة الجزيرية المحمدية والامبراطورية الرافدينية العباسية القرمطية الانتظاريه، وماتخلف عنها بعد انهيارها من اشكال حضور شرقي متراجع، مثلته السلطنه العثمانية، ثم بدء الدورة الثالثة الرافدينية الازدواجية، بعد تراجع مفاعيل الانقطاع التاريخي المستمر من سقوط بغداد عام 1258 حتى القرنين السادس عشر والسابع عشر، يوم بدات وانطلاقا من ارض سومر التاريخية مجددا،اول اشكال التشكل التاريخي الثالث الراهن، بعد الدورة الأولى السومرية البابلية الابراهيمية، والثانية العباسية القرمطية الانتظارية. وصولا الى الحدث الرابع ممثلا باكتشاف القارة الامريكية وصعودها الامبراطوري، مسجلة ظاهرة الإمبراطورية المفقسه خارج رحم التاريخ. والتفارقية المنوه عنها هي لحظه تصير عندها التفاعليه العالمية موحده، وتصير هي لحظة تاريخيه مقسمة لحقب، أهمها وابرزها واكثر ها حضورا وفعالية، لابل هيمنة على مستوى المعمورة هي الاوربية وصيغتها الحداثية الانقلابية، المتضمة اعلى وارقى واكثر اشكال الأحادية إنجازا، بما يقارب او يحاذي ممهدا، للطور اللاحق اللامجتمعي التحولي الرافديني الامر الذي تتشارك فيه، وفي تقريب تجلياته الإمبراطورية الامريكية المفقسة خارج رحم التاريخ، فيسهم في تسريع عملية الانقلاب، أولا في انتاج وسيلة الإنتاج اللامجتمعية المطابقة لشكل المجتمعية غير القابلة للتجسد ارضويا، والمتضمنه عناصر التحول التاريخي، والتي كانت فيما مضى وعلى مر قرون هيمنة الرؤية والمنظور والنموذج الأحادي، غائبه يفتقر لها المجتمع التحولي، ولا يستطيع انتاجها من ذاته بنيويا، ماقد اجل عملية التحول الكبرى، وابقاها معلقة رغم تكرر حضورها من خلال الدورات التاريخية، الى يوم انبثاق “التكنولوجيا” وسيلة الإنتاج التي لاينتجها الا الغرب الانشطاري الطبقي، مع انه يصبح بمجرد انتاجه لها، غريبا عنها، وعاجزاغير قادر، ولاقابل بنيويا على التلاؤم معها، ومع مقتضياتها الانتاجوية مابعد المجتمعية.
ان اخطر مايعم العالم وقتها من نذر انتهاء الزمان المجتمعي، حالة التناقضية المتعددة المظاهر والأسباب، فمن جهه تتوقف المنتجيه عن أداء المطلوب منها بصيغتيها الالية واليدوية، ويصير الإنتاج وطاقته غير مؤهله لمواكبة الاحتياجات البشرية، هذا في حين يستمر النزوع الأحادي، وفي مقدمته البرجوازي الراسمالي المصنعي، ماخوذا بفكره التقدم الدائم والحتمي التي تتحول باطراد الى وهم، ذلك في حين يعمد النظام الراسمالي المتراجع، والذي فقد طاقته الحيوية، الى الإصرار على دمج التكنولوجيا ببنيته الانتاجيه، معتقدا انها يمكن ان تكون عاملا في انقاذ نظامه الإنتاجي المنتهي الصلاحيه، عن طريق منحه قوة الدفع الاستثنائية مافوق الالية، الامر الذي يضع التكنولوجيا وسط حالة من عدم التلاؤم، تودي الى انتاج اشكال من السلعية المشوهة، والى استمرار الضرر والعبءالانتاجي المصنعي على البيئة والحياة، وبهذا يدخل المجتمع البشري زمنا من العيش على حافة الفناء الذي ينتقل وقتها من الموضع الأول الذي كان يحكمه بداية، ليصير قانونا وحالة معممة كوكبيا.
وفي حين تأخذ الطاقات والقدرات المتوفرة للنظم القائمه وأكثرها وزنا وقوة بالتراجع عمليا، بينما الراي المستمر سائدا داخلها، يزيد في تكريس الوهم حول استمرارها على ماكانت عليه، مع الثقه بإمكانية الذهاب الى ماهو افضل، تتغير دون وعي من البشروقتها، قواعد اللعبة على مستوى المعموره، ولاتعود الاستراتيجيات والتوازنات، ونوع التكتلات الناشئه على امتداد الكوكب بدون دلالات تحوليه، تقلب السردية الغربية للعالم، أصلا ومنتهى، واهم مايكون مخيما على العقل وداعيا للغرق في الوهم المدمر، مايظل يتصوره البشر ويعتقدونه بخصوص المنتجيه المجتمعية، باعتبارها الركن الأساس الثاني من اركان تعريف المجتمع كظاهرة، ركناها التجمع وإنتاج الغذاء بعد لقاطه وصيده، فمن بين ماقد اغفل في النظر الى المجتمع من الزاوية الانتاجيه، احتمالية توقف الإنتاجية، او النظر فيما اذا كانت ابديه ومستمره، او قابلة للاستمرارالى مالا نهاية، ام انها محكوم عليها بالانتهاء هي الأخرى، وبفقدانها محفزات والبات الاستمرار، تحت طائلة التناقض بينها وبين اشتراطاتها المجتمعية والبيئية، الامر الذي يحل على هذا الجانب الأساس من جوانب الوجود، مع تحقق الانتقال للالية المصنعية والانقلاب الراسمالي، بحيث تصير ممكنات وطاقات الإنتاجية مقابل قفزة التوسع العمودي والافقي السكاني والحياتي عموما، معضلة سائره نحو التفاقم لدرجة القصور والكوارثية البيئيه التي تتداخل مع عوامل أخرى، من بينها التنافسيه الكوكبيه، خاصة بين الراسماليات المؤسسه الاوربية، وتلك اللاحقة الشرقية المرتكزه لخلفيات بنيويه مختلفه، والمياله الى تجاوز وعبور المصنعية باشكال من النظم المخططه، وباللجوء لاشكال من استعمالات التكنولوجيه والتصنيعيه غير الابتكاريه لكن الموسعه.
واكثر الكوارث التي تضيف لمجمل لوحة اخر الزمان الأحادي وهي اخذة بالتجلي بعدا اضطرابيا كابوسيا، تتاتى من بقاء واستمرار الأحادية كمنظور ابان زمن انتفاء موجباتها ومايبررها واقعيا، بل وتحولها الى قوة تكريس إضافي للحال التدميري الصاعد نحو تعميم حالة العيش على حافة الفناء، وتحولها الى واقع معاش، ونمط حياة شامل للكوكب الأرضي، ويشخص هنا معضل اخر إضافي في قلب الكابوس المخيم على الحياة، مصدره التعذر الادراكي، او لحظته الاخيره بصفته شبه استحالة، فالانتقال الى الرؤيتين هو مشابه لوقوف الابراهيمية غير القابلة للتحقق في ارضها، في “حران”، أي في المنفى الداخلي الانتقالي بين لحظتين ، واللازم لاجل التدبر قبل الوصول الى استراتيجيا ” الوعد خارج ارضه”،بالانتقال الى ساحل الشام، وتوطين النفس على كون التحقق اللاارضوي المتاح راهنا، هو طريق طويل مليء بالمصاعب والانكسارات، والمعاجز والرؤى المتراكمة الملائمه لمنهج التصعيد مافوق الأرضي، قبل ان تحضرمملكه السماء الكتابية النبويةعلى الأرض، بالصيغة الممكنة ضمن اشتراطات غلبة الأحادية.
ستسعى الرؤية الأحادية بكل طاقتها الى منع إمكانية بزوغ لحظة الرؤيتين، كتمهيد او احتمالية من شانها ان توحي بانتصار الرؤية التحولية، وبدء الزمان الاخر المنتظر منذ اكثر من سبعة الاف عام، لكن هل ياترى هل سيكون مسار التاريخ، والصيرورة المجتمعية الطويل ومايبدو، لابل ويتاكد من محكمات تصميمه، وخضوعه للقانون ولقوة حضور “الغائية الكونية العليا”، اليوم وعند مثل هذا المنعطف الاستثنائي، حاضرا، ويدخل فيجعل من حدث الانقلاب وسط الكابوس، من قبيل المشهد المعزز والمدعم باسبا ب تجاوزه بالعوامل التفاعلية المناسبة المضمرة والظاهرة.
المؤكد الذي لايمكن الارتياب بشانه ان الابراهيمية، قد تغير وتبدلت ضمنها وداخلها، مابين زمن اللاتحقق الابراهيمي الأول، ويوم التجسد النهائي الانهائي للظاهرة المجتمعية، ومما قد لايوافق الاعتقادات المضللة والمشحونه بالكذب والتوهمات، ان تحضر معجزات الحياة والصيرورة والتاريخ من هنا فصاعدا شاخصة كظاهرة ملموسة، لكي تخيم على الحدث، وقد يكون مما يؤسف له او يستدعي الحزن، والكثير من الاسى،ان يكون المفصل او المعبر الى حالة الرؤيتين، وخضوع العالم لهما، ولاصطراعيتهما، مواكبا بنوع من العسر غير المسبوق، ونوع من الكوارثية الاخذه نحو تضييق سبل الاستمرار، وممكنات العيش على كوكب الأرض، ان نوعا مما يبدو الهاما، وهو في الواقع احتساب على ضوء الرؤية التحولية، سوف يحال لخانة التنبؤ صدوعا لوطاة مفاهيم ماضية ماتزال مستعملة، مع انه بلا ادعاء او تصريح بما كان عرف يوما وللضرورات الانية في حينه ومرحلته، ب”النبوه”، فالنبوه الالهامية الحدسيه مبتكر مجتمع اللاتجسد الأرضي الابراهيمي، انتهت اليوم باعتبارها وبحكم كونها ضرورة مطابقة للحظة تكون الأحادية ابانها هي الغالبة المتسيده، أي ان النبوة وسيلة ابراهيمة ملائمة لفترة ولمرحلة انتقالية من تاريخ الابراهيمة والمجتمعات، الاولى انتهت هي ومفعولها، ولم تعد حاضرة، ولاضرورية بعد ما بلغت عملية التصير التحولي عتبة الانتقال الأعظم، وصارالتحقق النافي لاستمرار المجتمعية، هو الزمن الصاعد على اعتاب وانقاض “الزمان الأحادي”.
اقتضت الابراهيمية النبوية الأولى ثلاث عبقريات وقراءات نبوية كبرى، لتنتهي ضمن اشتراطاتها، بينما تلح اليوم ومن هنا فصاعدا على المعمورة انبثاقا، الابراهيمية الثانية، اي “القراءة الرابعه العليا” التي تنهي وتزيل مفاعيل القراءات المؤقته الثلاث، من بين ماتنهي من مفاهيم ورؤى العالم الأحادي، مع زمن هيمنته واضطراراته، ليبدا زمن “بناء بيت الله الثالث” في ارض إبراهيم الأولى، دلالة على عودته متحققا، ومتجسدا مع ملامح بدء انتهاء المجتمعية وزوالها.
ـ يتبع ـ

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *