طالب تقليدي A CLASSICAL STUDENT

latifa_aldlimy

أنتون جيكوف
ترجمة : زيد الشهيد

قبل أن ينطلق لأداء امتحانه في مادة اللغة الإغريقية ارتمى فانيا على كل ما أمامه من صورٍ مقدَّسة . شعر بأن معدته كما لو أنها انقلبت رأساً على عقب وأنَّ بروداً يحاذي قلبه بينما قلبه نفسه شرع يخفق ثم توقف ساكنا أمام رهبة ما يلوح له من مجهول .. ماذا سيحرز ذلك اليوم من درجات ؟ .. ثلاث .. اثنتان ؟ للمرة السادسة اتجه إلى أمه لتقدم له التبريكات وتدعو له بالنجاح .. وعندما برح البيت طلب من عمّته أن تصلّي له وتتضرع إلى الله . وفي طريقه إلى المدرسة تصدّقَ على شحاذ بكوبيكين * أملاً في أنَّ هذين الكوبيكين يكفّران عن إهماله ( جهله ) ، ويسرّان الله في أن لا يمنحه الدرجات المخيبة من مثل الأربعينات أو الثمانينات .
متأخراً عاد من مدرسته الإعدادية ، بين الرابعة والخامسة . دخل غرفته وارتمى على سريره بلا أية كلمة ينطقها أو ضوضاء يرتكبها . وجهه الرقيق كان شاحباً ، ودوائر سود كالمحاق تلتف حول عينه الحمراوين .
– ها .. كيف كان أداؤك ؟ .. وما هي الدرجات التي حصلتَ عليها ؟ .. سألته أمه وهي تدنو من حافة سريره .
رمّش عيناه .. زمَّ شفتيه ثم أجهش بالبكاء .. شحِب وجهُ الأم تاركةً فمَها يفغر وكفّيها يشتبكان ، ولم تعر بالاً لسروالٍ كانت ترتِّقَهُ فسقط أرضاً .
– على ماذا تبكي ؟ .. رسبتُ في الاختبار ، إذاً ؟
– حصلت على درجتين
– عرفتُ أن ذلك سيحصل . كان لديَّ هاجسٌ بذلك . ” .. قالت أمه ” يا ربنا الرحيم .. كيف لم تستطع اجتياز الامتحان ؟ .. ما السبب ؟ .. ما الموضوع الذي رسبت فيه ؟”
– في اللغة الإغريقية ، يا أمي .. سألوني عن مستقبل ( فيرو PHERO ) . وأنا بدلاً من أن أقول ( ايسوماي aisomai ) قلت ( أوبسوماي opsomia ) .. ثمَ .. ثم ليس هنالك ((((((((( إذا كان المقطع طويل … وأنا …… ارتبكت .. نسيت أن الألف كان طويلاً فيه .. رحتُ ووضعته في ((((((((( . بعدها اخبرني ارتاتكسيركسوف أن أقدم قائمة الجزئيات الإضافية …. وهكذا فعلت .. خلطت بالضمير بطريقة عرضية ، فارتكبتُ الخطأ .. لهذا أعطاني درجتين .. أنا شخص تعيس .. لقد قرأت طوال الليل ، وكنت استيقظ في الساعة الرابعة صباحاً طيلة أيام الأسبوع هذا .”
– لا.. لستَ أنت التعيس إنما أنا التعيسة أيها الولد .. أنا هي التعيسة .. لقد مزَّقتني بمثل ما يتمزق الورق .. أنت هيرود ( herod)** قاتلي ، ومعذبي ومحطم حياتي . أنت لست أكثر من قمامة تافهة .. لقد أحدودب ظهري كدحاً لأجلِك . قلقةً من الموت .. وعليَّ أن أقول أنني لستُ سعيدةً .. كيف ستهتم بنفسك ؟ كيف تعمل ؟ ..
– لقد .. لقد درست طوال الليل .. رأيتِ ذلك بنفسِك .
– صليت لله أن يأخذني ، لكنه لا يريد .. امرأةٌ خاطئة أنا .. يا مُعذبي !.. الناس الآخرون لديهم أولاد مثل البقية أيضاً وأنا لدي واحد فقط بلا إحساس ؛ لا راحة منه .. أأضربُك ؟ .. سأضربك ، ولكن من أين لي القوة لفعل ذلك ؟
أخفت وجهها بين طيّات بلوزتها وراحت تجهش بالبكاء .. تلوّى فانيا من الألم وضغط جبهته على الحائط في اللحظة التي دخلت عمّته .
– ” وهكذا .. حدث ما حدث ! .. تماماً حصل ما توقَّعتُ ” .. قالت . خمنت ما جرى شحب وجهها وشبكت كفّيها . ” لقد وهنت عزيمتي . حسبت أنْ ثمة بلاء قادم ، وها هو قد جاء .
– النذل ، مصدر العذاب .
– لماذا تشتمينه ؟ .. صرخت العمّة . سحبت وشاحها الذي بلون القهوة من رأسها بعصبيةٍ ، واستدارت نحو ألأم .
– الخطأ لا يقع عليه ، بل عليك .. أنتِ المُلامَة! ..لماذا بعثتِ به إلى تلك المدرسة العليا . أنت امرأة رقيقة تسعين لأن تكوني سيدة .آها..ها ! لأجرؤ على قول ذلك . كأنك تريدين الانتماء إلى طبقة النبلاء ! . لكن لو كنت بعثته ، كما قلت لك ، إلى عملٍ مهني .. إلى مكتب كما هو حال كوزيا .. فكوزيا يحرز خمسمائة في العام .. خمسمائة روبل ملكية لها قيمتها ، أليس كذلك ؟ .. وأنت ترهقين نفسَكِ وترهقين الولد بهذه الدراسة .. سيقضي عليه الطاعون ! .. نحيف ؛ ويسعل . فقط انظري إليه ! فهو بعمر الثالثة عشرة لكنه يبدو كما لو أنه لم يتعدَّ العاشرة .
– كلا ، ناستينكا . كلا يا عزيزتي . لم أجلد مصدر عذابي هذا بما فيه الكفاية . كان عليه أن ينال الضرب المبرح ، هذا ما كان يجب أن يحصل .. أوفففففففففف .. يا يوسف .. يا محمد .. يا عذابي .. هزّت قبضتها بوجه ابنها .. تريد أن تُجلد ، لكن ليست لدي القوة لكي أجلدك .. قيل لي من سنوات مضت : اجلديه بالسوط .. اجلديه . لم ألتفت إلى كلامهم .. آثمة أنا ؛ وهذا جزاء إثمي … انتظر قليلاً .. سأسلخك !.. انتظر .
هزّت الأم قبضتها البليلة واتجهت باكية إلى غرفة نزيلها يافتيهي كوزميتش كوبوروسوف الذي كان جالساً عند منضدته ، يقرأ ” تعلّم الرقص ذاتياً “. كان يافتيهي كوزميتش في ما مضى رجل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
• كوبك : عملة نقدية روسية
• ملك يهودي عاش في القرن الرابع قبل الميلاد عرف بالجنون وقتل عائلته والأحبار الذين معه .

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *