صـَرخـة تـحـذيـر

latifa_aldlimy

الدكتور عـبد القادر حسين ياسين

فوجئت، اثناء مشاركتي في مؤتمر حول دور الاعلام،
في بناء جسور التواصل بين الثقافات والديانات ، عـقـد في كـوبـنـهـاغـن،
بأحد المشاركين العرب يؤيد قرار الحكومة السويسرية بمنع بناء المآذن،
ويقول انه “كمهندس معماري” يرى ان منظر هذه المآذن “مُـنـفـّر”،
وانه لا يريد ان “تصبح جنيف مثل القاهرة مليئة بالمآذن”.

رأي هذا “المهندس” لقي استحساناً من قبل الكثيرين الذين ازدحمت بهم القاعة،
لأنه جاء في وقـت تتصاعـد فيه ظاهـرة “الإسلاموفـوبيا” Islamophobiaهذه الأيام،
في أنحاء كثيرة من اوروبا، حيث يركب الكثير من السياسيين الاوروبيين حاليا،
موجة العـداء للإسلام والمسلمين المهاجرين ، من اجل تحقيق مكاسب سياسية،
وحصد الأصوات في الانتخابات البرلمانية.

منظر المآذن ليس منفراً، بل انه قـمة في الجمال،
وتكفي الإشارة إلى أن جوامع اسطنبول والقاهـرة ،
من أكثر ألاماكن جذبا للسياح الغربيين…
ان المدن الأوروبية مليئة بالكنائس وأبراجها وصلبانها،
ولكن المسألة ليست متعلقة بالمعـمار،
وإنما ببعـض مظاهر الكراهـية لكل ما هو مسلم في أوروبا،
خاصة في أوساط اليمين المتطرف.

وليس من الـمـغـالاة الـقـول أن الإعلام الأوروبي يلعـب دوراً كبيراً،
في تصعـيد ظاهرة الكراهـية هذه، والنفخ في نارها،
مستغلا ارتفاع معدلات البطالة ،والصعـوبات الاقـتـصادية،
المتفاقـمة من جراء الازمة المالية الحالية.

من الطبيعي أن التعـميم هـنا غـير وارد،
فهناك صحف أوروبية رصينة معتدلة تحارب كل مظاهر العـنصرية ،
وتطالب بالتسامح واحترام الآخر وعـقـيـدته وثقافـته،
ولكنها تظل أقـلـية محدودة التأثير بالمقارنة مع صحافة الاثارة ،
وبعض المواقع الالكترونية اليمينية التي يطالعها الملايين يوميا.

بعد الحادي عشر من ايلول أصبح الإسلام مرتبطا بالإرهاب في الذهـن الأوروبي،
رغم ان تقريراً صدر عن ‘”الـشـرطة الأوروبـيـة” Europol عام 2009
اثبت ان 99 في المئة من الاعمال الارهابية في اوروبا من تخطيط وتنفيذ غير المسلمين.

فـلو أخذنا بريطانيا ،على سبيل الـمـثـال لا الـحـصـر،
نجد أن العناوين التحريضية ضد المسلمين تـتـصدر الصحف الشعـبية، مثل
The Sun, Daily Express. Daily Star, Daily Mail
فـعـندما تعلن صحيفة ” Daily Mail” أن “الإسلام يـُقـسّـمنا”،
ويكون العـنوان الرئيس لـصـحـيـفـة ” Daily Express” بان
“سائقاً مسلماً لحافلة منع كلبا لقيادة الضريرين من الصعود الى حافلته”،
بينما تنشر ” Daily Star” نتائج استفتاء أجرته يؤكد أن “الإسلام يجتاح بريطانيا”.

هناك دروس كثيرة في التاريخ قد تعطينا تفسيرا لما يحدث حاليا،
وتفتح أعيننا على النتائج الخطيرة لعمليات التحريض هذه.
فاليهود كانوا ضحايا الازمة الاقتصادية التي اجتاحت اوروبا،
في أواخر العشرينات من القرن الماضي،
والمسلمون قد يكونون كبش فـداء للازمة الاقتصادية الحالية.

إنَّ أي انتقاد لليهود يعـتبر “عـداء للسامية”،
وأي تهجم على السود يعتبر “قـمة العـنـصرية”،
أما التطاول على الاسلام فيعتبر “حرية تعـبير”.
هذه هي الحقيقة المرة.

فبينما توجد قوانين تـُحرّم وتـُجرّم معاداة السامية أو إنكار المحرقة،
لا توجد أي قوانين تـُجرّم العـداء للاسلام.

الاعتداءات على المسلمين تضاعفت مرتين ،
في كل من بريطانيا والولايات المتحدة ،
وفق الإحصاءات الرسمية الصادرة العام الماضي،
ومن ضمنها أعمال قتل وتحرش،
كما توالى صدور القوانين لمنع النقاب.

في مـقـابـلـة أجـرتـهـا مـعـه صـحيـفـة Die Zeit “دي تـسـايت” الألـمـانـيـة،
تـسـاءل الدكتور كمال الدين احسان اوغـلو ، الأمين الـعام لـ “منظمة العالم الاسلامي”،
مستغربا تصاعـد الحديث هذه الايام عن ضرورة اندماج المسلمين،
في المجتمعات الأوروبية التي يعيشون فيها وقال:
“إذا كانت أوروبا تـدافع عن حقوق الاقليات في العالم بأسره،
والـعـالـم الاسلامي على وجه الخصوص،
فلماذا يتحدث الأوروبيـون عن الإندماج عندما يتعلق الامر باوروبا؟
هذا يظهر مجددا مبدأ الكيل بمكيالين'”

الدكتور اوغـلو الذي كان اول امين عام للمنظمة يصل الى منصبه بالانتخاب،
ربما منعـته دبلوماسيته وأدبه الرفيع، من الاشارة الى خطاب ،
ألقته المستشارة الألمانية انجيلا ميركل ، خلال المؤتمر الاقليمي لحزبها المسيحي ،
وقالت فيه أن نموذج التعـددية الثقافية قد “فـشل”،
ولا بد من “اندماج المهاجرين في المجتمع الألماني”،
والقبول بـ “ثقافة واحدة مهيمنة” هي الثقافة الالمانية.
هيمنة ثقافة واحدة ورضوخ اصحاب الثقافات الاخرى لها،
هي طرح قريب من طرح الحزب النازي الالماني ،
الذي عملت أوروبا طوال السـبـعـيـن عاما الاخيرة على تجريمه ومحاربته…

هناك 45 مليون مهاجر مسلم في اوروبا حاليا يواجهون ظروفا تزداد صعـوبة،
يوما بعد يوم، في ظل اتساع دائرة ثقافة الكراهية ،
وتقدم مطرد لأحزاب اليمين في البرلمانات الاوروبية.

السيدة ميركل لم تكتف فقط بالتبشير بفشل التعـددية الثقافية،
من اجل وقف تدهور شعبية حزبها في استطلاعات الرأي المسيحي الديموقراطي،
ولكنها ذهبت الى ما هـو ابعد من ذلك ،
عندما كرّمت رسام الكاريكاتير الدنماركي الذي تطاول على الاسلام والرسول،
ومنحته وساما، تحت ذريعة احترام حرية الرأي والتعبير ،
التي هي جزء اساسي من قيم الديموقراطية الغربية.

الجاليات الاسلامية تـسـاهـم ، حسب الاحصاءات الرسمية،
بشكل كبير في تطوير مجتمعاتها، وخدمة اقتصاد الـدول التي تـقـيـم فيها ،
من خلال أنشطة تجارية مثمرة.
فـقائمة الأغـنياء التي تنشرها سنوياً صحيفة The Sunday Times البريطانية،
كشفت عن وجود 40 مليونيراً مسلماً على قائمة “أغـنى مئتي شخصية”.

حملات الكراهية هذه، سواء من قبل السياسيين او الصحافة الشعـبية،
هي اكبر هدية تقدم للتطرف والمتطرفين،
وبما يؤدي إلى توسيع دائرة الارهاب والعنف ،
وزعـزعة استقرار المجتمعات الأوروبية واذكاء نار صراع الحضارات.
والحل هـو وضع تشريعات لتجريمها واصحابها قبل فوات الاوان.

والحكومات العـربية التي تنفق المليارات ،
على شراء صفقات أسلحة إما لانقاذ الاقـتصادات الغربية من ازماتها،
او لخوض حروب الغـرب المستقبلية،
مطالبة بالتدخل لحماية ابناء عـقـيـدتها ،
من حيث عدم تقديم هذه الخدمات مجانا دون مقابل.
نعرف اننا “ننفخ في قربة مقطوعة”،
ولكن لا بد من صرخة تحذير،
ومحاولة ايقاظ بعض النيام من غـفـوتهم،
وهذا اضعف الايمان.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *