زيــــــــــــارة إلى فــالانـــــــدر…قصة مترجمة

latifa_aldlimy

كريم السماوي

ترجمها عن السويدية: كريم السماوي

زيــــــــــــارة إلى فــالانـــــــدر
Wallander får besök

يعمل كورت فالاندر محققا في ( إيستاد ـ Yastad ) (1). مطلـّق وله من العمر 45 سنة. إنه صيف 1994. فالاندر وزملاؤه يعملون بجد في قضية قتل كبيرة.
عندما عاد فالاندر مباشرة إلى مركز الشرطة قبل التاسعة والنصف قالت الفتاة في مركز الاستقبال أن زائرا ينتظره في غرفته. لأول مرة فقدَ فالاندر جأشه وبدأ يلعن ويصيح في الفتاة التي تعمل مؤقتا في الصيف. حادث نفسه: مَنْ يكون هذا الذي يُترك ينتظره في غرفته؟ ذهب يخطو غاضبا عبر الرواق وسحب باب غرفته.
كان الزائر والده، ينتظره على كرسي الضيوف، نظر إليه.
ـ سيء سحبك الباب هكذا، قال الأب. فالمرء يمكن أن يعتقد تقريبا أنكَ غاضب.
ـ أنا فقط أردت أن أعرف مَنْ الذي ينتظر في غرفتي، قال فالاندر مندهشا ومختلقا عذرا لنفسه. ولكن ليس أنتَ المقصود.
فكـّر فالاندر أن والده يزوره للمرة الأولى في مكان عمله. وهذا ما لم يحدث من قبل مطلقا. وخلال هذه السنوات كان والد فالاندر يرتدي ذات الملابس المدنية التقليدية المثيرة. أما الآن فإنه يجلس على كرسي الضيافة ويمكن لفالاندر أن يرى أنه يرتدي أفضل طقم ملابس عنده.
ـ أنا يجب أن أقول أني متفاجئ، قال فالاندر. مَنْ قادكَ إلى هنا؟
ـ أنا لديّ زوجة، وهي تملك الاثنين إجازة السوق والسيارة، أجاب الأب. هي ركبت للسلام على أحد الأقارب بينما أزوركَ أنا. هل رأيتَ مباراة الأمس؟
ـ لا. كنت أعمل.
ـ كانت ممتازة، تذكرتُ كيف كانت سنة 1958، عندما جرى كأس العالم في السويد.
ـ أنتَ دائما كنت تهتم جيدا بكرة القدم.
ـ أنا طالما أحببتُ كرة القدم.
نظر له فالاندر باندهاش:
ـ أنا لم أكن أعرف ذلك!
ـ هناك الكثير مما لا تعرفه. سنة 1958 كان هناك لاعب ظهير اسمه سفين أكسيوم. واجه صعوبة كبيرة في مواجهة مهاجم برازيلي على ما أتذكر، هل نسيتَ ذلك؟ تذكأ…
ـ كم كان عمري سنة 1958؟ بالكاد أنا ولدتُ في ذلك الوقت.
ـ أنتَ ليس لديكَ مطلقا الكثير عن موهبة الكرة. ربما لهذا السبب أصبحتَ شرطيا!
ـ أنا توقعت فوز روسيا، قال فالاندر.
ـ أنا آمنت بذلك بكل سرور، أجاب الأب. أنا نفسي توقعت (2ـ0).
ـ جيرترود كانت على عكس ذلك حذرة. هي اعتقدت أن النتيجة ستكون (1ـ1). هكذا انتهت المحادثات عن كرة القدم.
ـ هل تريد بعض القهوة؟ سأل فالاندر.
ـ نعم، شكرا.
ذهب فالاندر وأحضر القهوة. في الرواق التقى صدفة بهانسون.
ـ قال، هل تريد أن ترى لم أصبحتُ منزعجا خلال النصف ساعة الماضية؟
قطـّب هانسون حاجبيه متجهما.
ـ أنا يجب أن أتحدث إليكَ بلا تحفظ. هكذا ردّ فالاندر غاضبا على لغة هانسون التقليدية.
ـ قال مكررا، خلال نصف ساعة يمكنك التحدث كثيرا كما تريد عند ذاك.
عاد إلى غرفته وأغلق الباب. أخذ الأب كأس البلاستيك بين يديه. جلس فالاندر خلف المكتب.
ـ قال، يجب أن أقول أنه لم يكن متوقعا مطلقا أن أراكَ في مركز الشرطة.
ـ وهو غير متوقع بالنسبة لي أيضا، أجاب الأب. وأنا لم أكن لأجيء لو لم يكن هناك أمر مهم تماما.
وضع فالاندر كأس البلاستيك على الطاولة أمامه. أدرك أنه كان ينبغي عليه أن يفهم منذ اللحظة الأولى أن هناك أمرا مهما جدا جعل والده يأتي إلى مركز الشرطة.
ـ هل حدث شيء ما؟ أجاب فالاندر.
ـ لا شيء مهم سوى أني مريض، أجاب الأب ببساطة.
فالاندر شعر بامتعاض في معدته فورا.
ـ كيف ذلك؟ أجاب.
ـ أنا قدمتُ لكي أفهم، واصل الأب حديثه رابط الجأش. وهو أحد الأمراض التي لا أتذكر اسمه. والذي يُحدث الخرف. لكن المرء يصبح غاضبا من نفسه. وهذا يمكن أن ينجلي سريعا.
عرف فالاندر عماذا يتحدث والده. هو يتذكر عما أصاب والدة سفيدبرغ من مرض. لكنه لم يتمكن من ذكر الاسم أيضا.
ـ كيف عرفتَ ذلك؟ سأل هو. أكنت تحضر عند طبيبها؟ لماذا لم تقل شيئا من قبل؟
لقد حصل وعملت لها شيئا خاصا في لوند. قال الأب: جيرترود هي التي قادتني إلى هناك.
صمت الأب ثم شرب قهوته. فالاندر لم يكن يعرف ماذا يقول.
ـ في الواقع أنا جئتُ إلى هنا من أجل أن أطلب منكَ شيئا، الأب قال ثم نظر إليه. إذا لم أكن ما أطلبه كثيرا.
في تلك اللحظة رنّ جرس الهاتف. رفع فالاندر السماعة دون أن يجيب.
ـ لديّ وقت للانتظار، قال الأب.
ـ لقد قيل لي بأنكَ يجب أن لا تضطرب. قل لي ما تريده.
ـ لقد امتلكتُ دائما حلما بأن أذهب إلى إيطاليا، قال الأب. قبل أن تصبح هذه الخطوة متأخرة أريد السفر إلى هناك. واعتقدت أنكَ يمكن أن ترافقني. جيرترود لا تملك شيئا تعمله في إيطاليا. أظن أنها حتى لا تريد ذلك. وأنا سوف أدفع كافة التكاليف، فلا يزال معي نقود.
نظر فالاندر نحو أبيه. تأمله قليلا وهو منكمش هناك على الكرسي. وقد صار لحظتها وكأنه لأول مرة أصبح عجوزا جدا كما بدا هناك. بسرعة بلغ الثمانين.
ـ صار واضحا أننا سوف نغادر إلى إيطاليا، قال فالاندر. متى تعتقد أننا سنغادر بسرعة؟
ـ ربما من الأفضل أن لا ننتظر طويلا، أجاب هو. لقد سمعتُ أنها سوف لن تكون حارة في سبتمبر. ولكن عند ذاك ربما لا وقت لديك.
ـ أستطيع أن أحصل على إجازة لأسبوع واحد لا أكثر. ولكن أنتَ ربما تفكر أن تمكث في الخارج لمدة أطول.
ـ أسبوع واحد سيكون جيدا.
انحنى الأب إلى الأمام ووضع قدح القهوة، ثم اعتدل وقال.
ـ والآن سوف لن أزعجك أكثر وأنتظر جيرترود في الخارج.
ـ من الأفضل أن تجلس وتنتظر هنا. قال فالاندر.
ـ قال الأب: لديك الكثير الذي تعمله، وكيفما يكون أنتظر هناك في الخارج.
اصطحبه فالاندر إلى الخارج وهناك عند الاستعلامات جلس على الأريكة.
ـ قال الأب: لا أريدك أن تنتظر هنا، جيرترود ستأتي بسرعة.
فالاندر أومأ برأسه وقال:
ـ صار واضحا أننا سنغادر إلى إيطاليا. وسآتي إليك خارجا بأسرع ما أستطيع.
ـ قال الأب: ربما ستكون رحلة لطيفة. المرء لا يعرف بالضبط.
غادره فالاندر وذهب إلى الفتاة في مركز الاستقبال، قال لها:
ـ أطلب من لطفكِ. يبدو من المناسب تماما أن تسمحي لوالدي بالانتظار هنا من أجلي.
عاد إلى غرفته. فجأة لاحظ أن الدموع تغمر عينيه. فعلى الرغم من العلاقة المتوترة والمتأثرة بضمير سيء مع والده فقد شعر بحزن عميق يلفه وهو يغادره بعيدا. وقف عند النافذة ونظر نحو الخارج فبدا طقس الصيف الجميل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ( إيستاد ـ Yastad ) مدينة تقع جنوب السويد على بحر البلطيق بالقرب من مدينة مالمو الشهيرة حيث يعيش فيها التحري كورت فالاندر في روايات وقصص هنينغ مانكل.

(جريدة السماوة الدولية – العدد 56)

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *