فلسفة الحوار بين شرط الإمكان و خرق الشروط

د. سامان سوراني

في الديمقراطية الغربية يُنظر الی السلطة السياسية، التي هي محصلة قانونية أو إجرائية للحراك الاجتماعي والنشاط الإنتاجي أو الإبداعي لكل الفاعلين الإجتماعيين، في مختلف القطاعات والحقول، كمجال يُخضع للمناقشة العمومية والمداولة العقلانية والمراجعة النقدية
لذا يؤسفنا أن لا نری هذا المجال في حالة الأزمة السياسية الحالية في العراق، التي ولدت بسبب تصاعد الخلافات بين الكتل السياسية والكيانات حول أمور دستورية تتعلق بالشراكة الحقيقية في إدارة الدولة، بالإضافة الی ملفات ومواضيع عالقة أخری حساسة. والمطالبة بسحب الثقة عن رئيس الوزراء السيد نوري المالكي بعد إنعقاد إجتماعات في عاصمة إقليم كوردستان و محافظة النجف و السعي نحو استجواب السيد المالكي في البرلمان إلا إنعكاس واضح لتلك الأزمة وفي نفس الوقت هو سعي لخلع صفات الألوهة والقداسة والعصمة من الحاكم بأمره لكي لا تُحتكر المشروعية ولا تُصادر حرية التفكير والتعبير للإنفراد بالرأي و القرار.
في الماضي القريب، أي خلال عقد التسعينات من القرن العشرين شاهدنا كيف أن اكثر من خمسين دولة في العالم تحولت من النظام العسكري التوتاليتاري الى النظام الديمقراطي وکيف أن الدعوة الى الديمقراطية فرضت من الخارج على النظم الديكتاتورية إستناداً الى معطيات دولية معينة ومبررات أخری منها محاربة الارهاب الدولي وحماية الأقليات القومية أو الدينية. و العراق كان من جملة هذه الدول، ففرض عليه نظام ديمقراطي منسجم مع معطيات العصر، ليكون نموذجاً في المنطقة. لكن هل نجح هذا الفرض؟
نحن نعرف بأن العراق لم يمارس الديمقراطية في تاريخه السياسي، إلا لفترة وجيزة كانت في ظل الحكم الملكي، بالرغم من أن تلك التجربة كانت تفتقد المعنی الحقيقي للديمقراطية. وبعد الإنقلاب علی الحكم الملكي و ولادة الجمهورية العسكرية و تسنم البعث دفة الحكم ظهرت مدرسة خاصة لإعداد وتدريب العقل السياسي في العراق، تميز هذا العقل بعد ذلك بالخضوع لفترة طويلة لتثقيف أحادي الاتجاه وصَلب التحيز، متقوقع في هويته، لم ينتج معارف حول واقعه أو حول عالم المعرفة. وأصبحت العقلية  المتسلطة في العراق مغلقة علی آرائها التي تعتقد بها. أما الشخصية العراقية فقد استلبت وبالأخص في الثمانينيات من القرن الماضي علی أوجه كثيرة، منها النفسي والفكري والثقافي عبر أيديولوجيا دامغة للآخر المختلف، غير معترف به علی الإطلاق، و كانت مآلها ظهور مسالخ الأنفال و الإبادة الجماعية والإعدامات المتواصلة والحروب الداخلية والخارجية المدمرة، وجراثيم هذه الأيديولوجيا المضادة للقانون والدستور والحقوق والقيم الجامعة أمرضت العقل العراقي، بحيث لم يتمكن من ممارسة الديمقراطية، التي تقوم بناءاً علی الاعتراف بحق الإختلاف و شرعية المختلف لغوياً و تاريخياً.
المنطق يرشدنا بأن الذي يقوم بتحويل الهوية الی زنزانة عقائدية أو الی مصنع لإنتاج الفرقة والفتن من أجل نصب جدران الكره والحقد فيما بين الكيانات المختلفة لا يستطيع بعقله الأحادي و الإصطفائي المشاركة في صناعة العالم، عمله لا يمكن أن ينتج سوی الدمار والدماء و لنا في صدام الطاغي المثل الخالد.
نستنتج من هذا بأن الديمقراطية ليست مجرد فكرة تقتبس أو صيغة تطبق، وإنما هي عمل شاق و جهد متواصل يقوم به المجتمع علی نفسه، علی غير مستوی أو صعيد.  
والسياسة لا تخلو من هاجس البرهنة والإقناع، فلكل سياسي مخياله و مثالاته التي بها يتمثل المواضيع والقضايا أو يمثل عليها، لكن المشكلة تكمن في الممارسة السياسية عند من انتدبوا أنفسهم لمهمة التفكير و صياغة القرار عن الكيانات المختلفة بإسم الوحدة و التحرر و التقدم. أولئك الذين يتهربون دوماً من النقد و يقفزون فوق الوقائع لكي تسلم عقائدهم وسياساتهم و تصح مقولاتهم.
الوحدة لا تعني أبداً الجمع علی سبيل القهر والضم، ولا علی سبيل التمييز والإقصاء، أي كل ما يلغم عمل التوحيد، فالوحدة هي القدرة علی خلق فضاء واسع أو وسط جامع.
نحن نری بأن ممارسة الوصاية علی الكيانات الأخری باسم الدولة المركزية و الإدعاء بالعمل من أجل إنصافهم والدفاع عن حقوقهم، هو في الحقيقة العمل علی التميّز عنهم أو التفوق عليهم بالذات وإن مثل هذه الوكالة دفعت الكيانات و ما تزال تدفع أثمانها الباهضة، تفاوتاً و قهراً، أو عجزاً وفقراً، أو خراباً ودماراً.
بعد سقوط الطاغية عام 2003 كُتِبَ الدستور ليصبح وسيلة لتحرير الكيانات الأخری و ظهر فضا‌ء الإنسان العراقي الجديد الذي كان عليه أن يساهم في تشكيل وعي جديد، كي لا ينتظر من سواه أن يقوم بتحريره و إنصافه أو إنقاذه من الذين كانوا يمارسون عن طريق الإستلاب الفكري وصايتهم عليهم عبر التهويمات المثالية والخلقية حول الوحدة والحرية و المساواة في سبيل طمسهم و ذوبانهم في إيديولجيتهم الفاشلة.
نحن نعيش اليوم عصر الشعوب، فلم يعد بوسع السياسي أن يمارس دوره النضالي بالصورة التي أعتاد عليها حتی الآن، كصاحب وكالة فكرية أو خلقية، تجيز له أن يفكر عن الناس و يقول لهم ماالذي ينبغي عليهم ما يفعلوه‌.
ومن المعلوم بأن قولبة الواقع السّيال علی مقاس المقولات الجامدة والنظريات اليابسة، تنتج دوماً عقليات فاشية و تؤدي أخيراً الی قيام أنظمة كُلانية شمولية تبتلع المجتمع المدني ومؤسساته و تسحق الفرد، فممارسة السياسة بمنطق الإستلاب والإدانة لخط أو نهج، مآلها انتهاك القوانين والمعايير، علی ما تشهد التجارب لدی أهل الحقيقة و دعاة الفضيلة.
أما الخروج من المأزق فسيكون بالتعامل مع النتاج السياسي بلغة مفهومية، علی أساس معرفي و بُعد كوني. فقيم الحوار ليست لأجل تطابق الآراء و نزول الآخرعلى رأي صاحبه، بل لإثبات وجود فرص التواصل بعد القطيعة. فالنجاح ليس فقط في التأسيس للمشترك بل في حسن إدارة المختلف.
مهمتنا هو خلق بيئة تثمِّن ثقافة الحوار، من دونها يصعب علينا الاستمرار في تبنِّي الخيارات العاقلة والمحايدة. و مانحتاج اليه هو تغير انماط الرؤية و طريقة التفكير و قواعد العمل والبناء بمنطق علائقي، وسطي، مدني، سلمي تبادلي.
و ختاماً نقول: لقد ولّی عصر الفحولة في السياسة، فنحن لا نشهد اليوم في عالم السياسة التمركز والاستقطاب بقدر ما نشهد التبعثر والتشظيّ، فلماذا إذن كل هذه المحاولات البائسة من أجل التمركز و الإستقطاب في بغداد، مدينة السلام؟

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *