المعقول واللامعقول في السياسة، حكومة العراق الفدرالي نموذجاً

 

 

د. سامان سوراني

الفيلسوف الفرنسي دُو لابْرِيد دُو مُونْتسْكُيو (1689-1755) صاحب كتاب روح الشرائع و نظرية فصل السلطات الثلاثة أرشدنا أواسط القرن الثامن عشر بأن حرية المواطن السياسية تقوم علی راحة النفس، التي تنشأ عن رأي كل واحدٍ حول سلامته. و لنيل هذه الحرية يجب أن تكون الحكومة من الوضع ما لا يمكن المواطن معه أن يخشی مواطناً آخر و كشف لنا بأن الحرية تفقد خصوصيتها المطلقة إذا ما اجتمعت السلطة الاشتراعية والسلطة التنفيذية في شخص واحد أو هيئة حاكمة واحدة. ويضيف في الفصل السادس من كتابه المذكور بأن الأمراء الذين أرادوا أن يكونوا مستبدين بدأوا بجمع جميع السلطات في شخصهم دائماً .
فبعد مرور أكثر من قرنين ونيف من الزمان علی أقوال أمير العقل التنويري بدأ في عراق ما بعد الدكتاتورية ظهور تيار فئوي يسعی الی تعزيز سلطته الطائفية لينحو نحو استحداث الدكتاتورية و ينحرف و يتطرف عن مسار و نهج المسيرة الديمقراطية ليتجاوز القوانين و أحكام الدستور المنبثق من العقد الأجتماعي لمكونات العراق الأساسية.
نحن نعلم بأن الدستور الذي استفتی علیه العراقيين عام 2005 والذي وافق عليه أكثر من ثمانين في المائة من العراقيين و الذي كتبه نخبة عراقية من أول جمعية منتخبة بعد ردح من الزمان و سنوات من القمع و القهر و الظلم والحروب، تلك الحروب التي لم تترك للمجتمع العراقي سوی كوارث إنسانية و بيئية تسلط ظلالها السوداء الی يومنا هذا علی عيشهم و نمط  تفكيرهم، يحمل في طياته‌ رسم معالم المستقبل من خلال الاتفاق علی أسس و مبادیء جوهرية لمرحلة ما بعد الدكتاتورية.
واليوم نری البعض يحاولون مسك الحقيقة من ذيلها، إذ يقومون بإخضاع نصوص الدستور للتأويل اللاموضوعي، من أجل التحوير و التحريف، غير مهتمين بالركن الأساسي في حكم عراق ما بعد سقوط تلك الدكتاتورية، ألا وهو التوافق السياسي، إذْ أن فقدان هذا التوافق سوف ينهي في العراق ما نسميه نحن الشراكة الحقيقية في الحكم.  و ما وصف بعض وعاظ السلاطين لرئيس الحكومة بالثالوث السياسي، الذي حسب وصفهم يجمع الأقانيم ( القائد – الدولة – الشعب)، إلا القفز على تلك الحقائق، فعقلية الأنفال و الحب في تكرار جرائم مثل حلبجة ما زالت متحكمة عند بعض أصحاب القرار في بغداد، أولئك الذين لا يؤمنون بالديمقراطية ولا بالفيدرالية ولا بالتعايش السلمي، ناهيك عن تطبيق الشراكة الحقيقية.
نحن نری بأن الذي يستحوذ مناصب حساسة داخل الدولة لا يهتم بالإلتزام بالدستور و لا بالعهود الموقعة، يخطط نهاراً في إرسال فرق عسكرية لتوجيه مدافعها نحو مدن اقليم كوردستان الفدرالي، فهذا النهج السلطوي و المحاولات المتكررة في إستخدام الجيش لغايات سياسية في البلد والشعب الواحد تخالف بنود الدستور، التي تجرم تلك النوايا النتنة. وليعلم الذي لايعلم بأن الحروب القادمة لا تحسم بنشر القوی علی الأرض، بل باستخدام الشبكات الالكترونية والأنظمة الرقمية، لأن الحقيقة تصنع عبر الوسائط والصور والأرقام، لا عبر مليشيات الإسناد و حشود الصحوة والإجتماع البشري ينبني بالتعايش والتواصل لا بإزدهار أعمال الفساد و الإنتهاك والإستبداد أو بنشر فنون التشبيح والشعوذة والقرصنة. فالتفرد و الاستبداد كارثة علی الشعوب، والاستبداد يضيق بالنقد البناء، والتفرد يغتال المواهب، ويقضي علی الإبداع، ويزرع الرعب فيصبح المواطن خائفاً حتی من أقرب المقربين إليه ولا يأمن من نفسه علی نفسه.
الحكم الفردي هو عار علی صاحبه ووصمة سلبية في جبين الإنسانية. أما العقائد المغلقة والإدارات الفاسدة والعقليات الكسولة فهي تكبح إطلاق و تشغيل القوی الحية والخلاقة. فلا أدري أي حياة هذه بدون حرية واعية.
في عالمنا اليوم نری تغيير في مفهوم السلطة و توسع في معانيه. فالسلطة لا تنحصر في أجهزة الدولة و مؤسساته، وإنما هي علاقات تنتج و تمارس وتنتشر في مختلف حقول المجتمع ودوائره و مستوياته. فالدولة يجب أن تدار بعقلية السياسي، الذي يجمع بين التقليد التراثي و التحديث الاقتصادي أو بين الهوية القومية والبعد العالمي، والذي يمتلك عقلية المحترف و يشخص لكي يركب الإمكانات و يجترح الوسائل لتحسين الأوضاع أو لحل الـمشكلات وإنهاء الأزمات.
الأزمة التي يمر بها العراق تحتاج الی فكر مركب لمواجهة الوقائع و إعادة تشكيل المشهد و ترتيب القوی علی المسرح. أما ممارسة التفرد والتألق والنجومية فيولد رويداً رويداً التمييز والاستئثار أو الاقصاء والافتئات أو الاحتكار و الإغتصاب.
و ختاماً نقول: بأن الشراكة بمفهومها المعولم تعني العمل علی خلق مجتمع تداولي، ليحل فيه مفهوم الشبكة محل مفهوم النخبة، والفريق محل الزعيم المنقذ، بحيث يخلق للواحد فرصة التعامل مع الهويات والقضايا والمشكلات بمنهج التوسط و عقلية التسوية و بمبدأ النسبية و منطق التداول و بثقافة التعدد. ولكي نعيش أحسن عليه‌ أن نحسن العيش سوياً. فالمقدس والمطلق والأوحد والمتعالي سواء أكان قوة أم مؤسسة يحول الناس الی قطعان وحشود و يسمم العلاقات بين الكيانات و يدمر أسس العيش المشترك.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *