تطبيق النظرية السياقية على قصيدة “زهور” للشاعر أمل دنقل

latifa_aldlimy

الأستاذ الزاهدي محمد
المغرب

جاء مقالنا هذا ليبرز أهمية النظرية السياقية، وذلك بتطبيقها على قصيدة تنتمي إلى الشعر الحر، وهو أحد أنواع الشعر العربي الأكثر انتشارا يستطيع به الشاعر التعبير عن مكنوناته فهو لا يـتـقيد بقافية وروي موحدين أو ببحر محدد، بل شعور الشاعر وإحساسه هو الذي يتحكم في القصيدة كما هو الشأن بالنسبة للقصيدة التي بين أيدينا للشاعر المصري أمل دنقل المعنونة ب “زهور” من خلال البحث في سياقها اللغوي، وغير اللغوي.
ويقول الشاعر أمل دنقل في قصيدته “زهور”
وسلالٍ من الوردِ،
ألمحها بين إغفاءةٍ وإفاقةْ
وعلى كل باقةْ
اسم حاملها في بطاقة
¨¨¨ ¨¨¨¨ ¨¨¨ ¨¨ ¨¨¨¨ ¨¨ ¨¨¨
تتحدثُ لي الزهراتُ الجميلةُ
أن أعينها اتسعت ــ دهشةْ ــ
لحظـــــــــــــــــــة القطفِ،
لحظـــــــــــــــــــة القصفِ،
لحظةَ إعدامها في الخميلةْ !
تتحدثُ لي ..
أنها سقطت من على عرشها في البساتين
ثم أفاقت على عَرضِها في زجاج الدكاكين، أو بين أيدي المنادين،
حتى اشترتها اليدُ المتفضلةُ العابرةْ
تتحدث لي ..
كيف جاءت اليّ..
(وأحزانُها الملكيةُ ترفع أعناقها الخضرَ)
كي تتمنى ليّ العمرَ !
وهي تجود بأنفسها الآخرةْ !!
كلُ باقةْ ..
بين إغماءةِ وإفاقةْ
تتنفس مثليّ ــ بالكادِ ــ ثانيةً .. ثانيةْ
وعلى صدرها حَمَلت ــ راضيةْ ..
اسمَ قاتِلها في بطاقةْ ! 1

الاتجاه غير النصي (السياق غير اللغوي)
صاحب النص
هو شاعر اختزل حكاية حياته يوما بقوله: “… عملت في وظائف مختلفة، وحتى الآن لم استقر في عمل معين. اخترت عضوا في لجنة الشعر بالمجلس الأعلى للثقافة عام 1980م. وأصبت بمرض السرطان، وأجريت عمليتين جراحيتين عام 1979م و1980م، ولا أزال رهن العلاج حتى الآن. تزوجت عام 1978م من صحافية في جريدة الأخبار القاهرية، ولم أرزق أطفالا حتى الآن”2، وبعد هذا فمن الضروري أن نتحدث عن الشاعر بشكل مستفيض لأن حياته حقا عبارة عن حكاية في رواية، هو شاعر مصري عربي كبير اسمه محمد أمل فهيم أبو القاسم محارب دنقل، ولد “في قرية القلعة القريبة من مدينة قنا في صعيد مصر في العام 1940م، وتلقى علومه الابتدائية والثانوية في قنا، وقد ظل مفتخرا بمكتبة أبيه الذي توفي وأمل في سن العاشرة حتى آخر أيامه،معترفا بأنه لم يستفد من التعليم المدرسي بقدر ما استفاد من مكتبة أبيه العامرة بكتب الأدب والتراث والفقه، وبعد محاولة دراسية في كلية الآداب في جامعة القاهرة ، ترك أمل دنقل الدراسة وانخرط في سلك الوظيفة في محكمة قنا ثم في الجمارك، وفي تلك الآونة بدأ ينشر قصائده في الصحف المصرية وراحت تلك القصائد تلفت النظر. وما أن بات معروفا بعض الشيء حتى حقق حلما أثيرا لديه، وهو أن يترك الوظيفة وينصرف إلى الكتابة، وأتيح له في تلك الفترة أن يعمل صحفيا في مجلة “الإذاعة” وكان يشغل تلك الوظيفة حين صدرت مجموعته الأولى وبات عالما من أعلام جيل الستينات، وهذا ما مكنه من الحصول على منحة تفرغ من وزارة الثقافة المصرية، العام 1971م لكي يحقق عملا شعريا عن قناة السويس، لكنه لم يتمكن أبدا من إكمال هذا العمل”.3
وهب الشاعر أمل دنقل حياته وشعره ولسانه لموقفه الرافض للتفسخ والاهتراء الاجتماعي والسياسي، وشعره “عف وعلا عن الهبوط في مشاركة جوقات الاستجداء والاستثمار وانحناء الرؤوس، وإراقة ماء الحنايا والوجوه، ينتصر للقيم الإنسانية والحرية حيث يمتد كيان الفرد إلى الوطن، ويمتد كيان الوطن إلى المجتمع الإنساني العام”4.
إنه الشاعر أمل دنقل، الذي يعتبر أنم “الشعر يجب أن يكون في موقف المعارضة، لأنه حلم بمستقبل أجمل”5، فالشعراء كما يقول: “اعتراض عما هو كائن وحلم بما سيكون. والكلمة أداة التعبير، وبهذا المعنى كان الشعر شعر مقاومة”6، وهو في ذلك يعبر عما يجيش في صدرونا من رفض الواقع الذليل الذي نعيشه، والحلم بواقع حر جميل، وأمل دنقل “يحتل منطقة واحدة، هي منطقة الرفض والمقاومة، فليس عنده منطقة رمادية، فهو صعيدي حتى النخاع شديد الغيرة في كبرياء، شديد النقاء، شديد العناد، شديد الثأر”7، فقد علمه ضياع إرث أبيه وهو طفل أن “يهب أحلامه للفقراء، وأن يخاصم الظلم، ويحلم بالعدل الذي لم يتحقق”8.
السياق الاجتماعي
لكل مولود بيئة، وبيئة هذا الشاعر هي بلاد مصر، وأهل مصر المعروفون بشهامتهم وقوتهم، لكن المجتمع المصري هو الآخر لم يسلم من وباء النفاق والانتهازية الذي اجتاح معظم البلدان العربية، فلم تعد قيم التعاون والتآزر والتضامن إلا في بعض الحالات النادرة التي نسمع عنها أو نقرأها ونتخيلها مثل قصة بطولية أو معجزة ذلك العصر.
فشاعرنا عايش هذا النوع طيلة رقوده في المستشفى حين كان يستقبل كل يوم “أكثر من (٢٠) زائر، ولم يكن ذلك يمثل إرهاق لأمل، بل على العكس كانت ملامح الإرهاق تتبدد تماما وتنتابه الصحة الحيوية عند أول زائر يعوده حتى صار موعد الزيارة هو موعد الصحة ينتظره… ومئات الرسائل لا تتقطع بصورة يومية من داخل مصر ومن خارجه” 9.
وبعد أكثر من شهرين على إقامته بالمستشفى أنفق أكثر مما كان يملك حينها “طالب بعض الأدباء من رئيس اتحاد الكتاب مشاركة الاتحاد في علاج أمل … فوافق السيد الرئيس على صرف ( ١٠٠ جنيه) مشاركة من الاتحاد على يتقدم أمل بطلب التماس”10
رفض أمل التعليق على ما حدث ولم يقدم أي التماس. بعدها “صدر قرار من وزير شؤون مجلس الوزراء بعلاج (المواطن أمل دنقل) على نفقة الدولة بالدرجة الثانية دون مرافق بنفقات قدرها ( ١٠٠٠ جنيه)” الذي اعتبره أمل دنقل أنه قرار تهريجي فرفضه رغم تعديله.
وظل مستاء طويلا من مكاتبته شؤون مجلس الوزراء إليه (بالمواطن أمل دنقل نزيل معهد الأورام)، ويوم بعد يوم تزداد المصاريف ويزداد الألم وتموت القيم النبيلة قبل موت الشاعر المصري، ماتت بعد أن وعده أحد أصدقائه بأن يحرر له غدا شيكا بألف جنيه، لكن جاء الغد وجاء صديقه ولم يذكر شيئا عن الشيك لذي وعد به.
M3arej Magazine – مجلة معارج
شكراً
Gesendet von اردلان حسن
محمد الزاهدي
وصديق آخر كان يخجل من فقره الذي لا يساوي أكثر من (١٥٠٠٠ جنيه) هي كل رصيده في البنك، شاهد إشعار المستشفى المطالب بالآلف جنيه. فلاذ بالصمت.
زاره أحد كبار الناشرين الأثرياء في بيروت الذي حاول أن يعطي بعض المال لأمل لكن أقسم الشاعر ألا يفعل ذلك:
فقال له:
أمل إنني صعيدي مثلك… وهذا منطقنا وتلك تقاليدنا
أقسم أمل مرة أخرى بغضب، فزع الرجل فتراجع”
فظل الرجل طوال أسبوعه فالقاهرة يحكي عن مساهمته في علاج أمل، كل هذه الأحداث والمواقف أثرت على أمل وجعلته يشعر بالعجز التام فكان يتمنى الموت عوض أن يشفق عليه أحد “بكى أمل بعد أن أتته مشاركة الأصدقاء من السعودية والكويت مساعدة في علاجه، بكى يومها العجز والمرض والعذاب”.11
السياق النفسي
كانت نفسية أمل دنقل يوم أصابه المرض في حالة يرثى لها كان يشعر بالحزن والغضب حيث “انفجر يوما ما أمام صديقه الشاعر عصام الغازي:
لماذا يهاجمني الموت في زمان الفرح والهدوء
لماذا أصاب بالسرطان في عام زواجي
لو سألتني عن الموت، فأنا لا أخشاه، لكن أكثر ما يعذبني في موتي هو بكاء أمي وعذاب عبلة من بعدي”12 لأنه ما لبث أن يفرح ويسعد بزواجه إلى أن باغثه المرض، فكان عنيفا في الأيام الأولى من رقوده في المستشفى، كان يرفض رد التحية على المرضى المجاورين له، فكان “يشعر بالخوف الذي يأخذ دائما شكل الصمت”13 بعد وفاة أحد المرضى المجاورين له، هكذا مرت الأيام داخل الغرفة رقم (8) كلها حزن وكآبة وقليل من الابتسامة مع زوجته عبلة.
والدليل على ما قلناه هو قول زوجته التي قالت “حاصرتنا الكآبة ليلا، ولفنا الصمت داخل الغرفة (8)، كان الضيق يجول دون أي حوار ممكن، وإلا انفجر الكلام شجارا والشجار عنادا وكلانا يحترفه… مددت يدي أفتح التلفزيون في محاولة لكسر هذا الملل الخانق، كان برنامج أمسية ثقافية للشاعر فاروق شوشة قد أوشك على الانتهاء… دعا فاروق شوشة ضيفه الشاب سماح عبد الله إلى تقديم قصيدته. ذكر الشاب أنها قصيدة (يا صدرا وطنا) وأتمنى لو أن الشاعر أمل دنقل يستمع إلينا الآن لأنها مهداة إليه…
ورسمك في كراساتي
حقلا
موجتك أنهارا
أو قدتك نارا
نزلتك مطرا
ونخير تلك فصلا… غير جميع فصول الأعوام
تطلع أخضر كالحب
وتغنى للفقراء
سقط الملل وسقطت الكآبة تماما وامتلأت الغرفة بضجيج الفرح الحاد في صوتي، بينما راح أمل في هدوئه يهدئ من انفعالي…. هكذا استطاعت قصيدة من شاب صغير أن تكسر كل ملامح الكآبة، وتعيد إلي أمل الهدوء والسكينة والفرح”14، لكن رغم هذه الرشفة التي اقتنصها شاعرنا وشعر بالفرح والسكينة إلا أن معظم أسابيعه كانت شديدة القلق، شديدة الخوف، شديدة التوتر، شديدة العذاب والقسوة.

السياق المكاني
السياق المكاني الذي أنتجت فيه هذه القصيدة هو المستشفى، وبالضبط في “الغرفة رقم (8) بالدور السابع”15 وهو عنوان مجموعته الشعرية، والتي تضم ست قصائد من بينها قصيدة “زهور” فقد اكتشف الشاعر أمل دنقل إصابته بمرض السرطان، فأخد المرض يشتد شيئا فشيئا حتى دخل المستشفى (معهد السرطان)، ومن ذلك اليوم صار المستشفى وصارت الغرفة سكنه الدائم، بل هي المنزل الحقيقي الذي جمع بينه وبين زوجته عبلة “فكان للغرفة (8) ملامحها الخاصة وإشعاعها الجميل على الجدران صور ملونة ولوحات كاريكاتيرية وقصائد شعر… أمام عين أمل كانت صورة يحيى الطاهر عبد الله معلقة على الحائط المواجه… وعلى الجدار المجاور كانت بطاقة من ياسر عرفات تحمل تمنيات الثورة بالشفاء… وبجوارها رسم كاريكاتيري لجورج البهجوري حاملا بعض باقات الزهور إلى أمل فوق سريره، قد أرسله خصيصا من باريس، وعلى نفس الحائط علقنا قصيدة حسن طالب (زبرجدة إلى أمل دنقل) وقصيدة أمل “ضد من” التي نشرت في جريدة الأهرام.
على منضدة قريبة كان هناك العديد من الكتب والأوراق والأقلام إلى جانب جهاز تلفزيون صغير تسجيل ومجموعة من الشرائط تحمل أغنيات عديدة. وعلى منضدة أخرى كانت مزهرية تحمل وردة، كانت الغرفة تعلن سعادتها بساكنها الشاعر”.16
وبعد مقالة يوسف إدريس الذي كشف فيها عن كيفية التعامل مع شعراء ذلك العصر “امتلأت الغرفة بباقات الزهور كانت معظم هذه الباقات تحمل رائحة وأحاسيس رسمية غير دافئة”17 وظلت الزهور تتكاثر في غرفة دنقل، “فبدأ يختنق ويزداد كآبة من هذا المهرجان المفاجئ المزيف، ولم يستطيع يومها النوم قبل أن يكتب قصيدته “زهور”.18
السياق الزماني
إن قصيدة زهور هي وليدة “شهر مايو 1982م”19 وهو التاريخ الذي كان فيه الشاعر أمل دنقل راقدا في المستشفى الذي انتقل إليه شهر فبراير 1982م، لتبدأ رحلة المعاناة مع المرض والصراع البدني والفكري، حيث أنتج هذا الصراع باقة من القصائد أقل ما يقال عنها إنها رائعة، مثل قصيدة {ضد من، لعبة النهاية، الخيول، السرير، الجنوبي…}”20
وكانت قصيدة “زهور” من بين هذه القصائد التي كتب لها أن تنظم في تلك الغرفة، وفي ذلك الشهر، الشهر الذي نودع فيه الربيع ونستقبل الصيف.
وبعد سنة وفي نفس الشهر (مايو) اقتربت منه زوجته عبلة، وسألته “هل أنت حزين؟ أشار وهو عاجز عن الكلام تماما ب “نعم”، إنها المرة الأولى التي يقول فيها نعم… إنه القرار الذاتي بالموت”21، الذي قطفه منا صبيحة يوم السبت 21 مايو 1983م لتصفه زوجته بوصفها الأخير قائلة:
“الثامنة صباحا
كان وجهه هادئا وهم يغلقون عينيه
وكان هدوئي مستحيل وأنا أفتح عيني
وحده السرطان كان يصرخ
ووحده الموت كان يبكي قسوته”22
وها هو رحل أمل دنقل إلى دار البقاء، ولم نستقبل أمل أخر بعده، فإذا الزمان أعاد نفسه، فأمل لن يعيده أحد….

السياق اللغوي (الاتجاه النصي)
قبل الغوص في تحليل هذا النص الشعري الذي بين أيدينا، لابد لنا من الوقوف على الإيقاع الذي نظم عليه الشاعر قصيدته، وهو البحر المتدارك والذي تتكون تفعيلاته من:
فاعل فاعلن فاعلن فاعلن “””””””” فاعلن فاعلن فاعلن فاعلن
وهو موزع في القصيدة حسب الدفــقة الشعورية للشاعر ومعاناته التي يكابدها. والتي تتماشى مع إيقاع القصيدة، وهذا ما يدفعنا لعد عدد الحركات والسكنات وفق ثنائية الثبات والمتغير، حيث وجدنا عدد الحركات 259 بنسبة %62، وعدد السكنات 160 بنسبة %38.
ويقول الشاعر في المقطع الأول:
وسلالٍ من الوردِ،
ألمحها بين إغفاءةٍ وإفاقةْ
وعلى كل باقةْ
اسم حاملها في بطاقة
يبدو واضحًا أنّ الحركات في هذا المقطع لا تعرف ثباتا، تارة يرتفع عددها، ويُوازيها انخفاض جزئي في نسب السكـنات، وتارة أخرى تنخفض ويقابلها انخفاض في عدد السكنات، وهذا راجعٌ إلى الطبيعة الحركية التي يظهرها الشاعر، والملْفت للنظر أنّ الحركات في المقطع الثّاني والثالث هي الأخرى لا تعرف ثباتا في ارتفاع عدد الحركات مقابل عدد السّكـنات، ونعزو ذلك لكون الشّاعر لا يشعر بالراحة والسكينة أبدا، وإنما يعاني من التقلب بين أيدي الأطباء، والمعامل، والفحوصات الطبية.
ومن هنا يظهر هذا التوازي الحاصل بين إيقاع البحر الشعري، وإيقاع معاناة الشاعر؛ فكأن الشاعر يعاني وهو ينشد أسطر هذه القصيدة فتزداد الحركات الإيقاعية كلما ازدادت لحظات السكينة، وتقل لقلتها، ويتضح الأمر أكثرَ إذا ما أمعنّا النّظر في المقطع الثاني:
تتحدثُ لي الزهراتُ الجميلةُ
أن أعينها اتسعت ــ دهشةْ ــ
لحظـــــــــــــــــــة القطفِ،
لحظـــــــــــــــــــة القصفِ،
لحظةَ إعدامها في الخميلةْ !
تتحدثُ لي ..
أنها سقطت من على عرشها في البساتين
ثم أفاقت على عَرضِها في زجاج الدكاكين، أو بين أيدي المنادين،
حتى اشترتها اليدُ المتفضلةُ العابرةْ
تتحدث لي ..
كيف جاءت اليّ..
(وأحزانُها الملكيةُ ترفع أعناقها الخضرَ)
كي تتمنى ليّ العمرَ !
وهي تجود بأنفسها الآخرةْ !!
حيث نجد في لحظة القطف، ولحظة القصف، ولحظة الإعدام، هي الصورة الشعرية الأكثر تعبيرا في القصيدة، وهي لحظات معاناة الشاعر التي تقل فيها الحركات، لأنه لم تعد له القوة أو القدرة على التحرك، في حين يرتفع عددها عند التحرك والتنقل من البساتين إلى الدكاكين أو أيدي المنادين إلى اليد المتفضلة العابرة، وهي لحظة تحرك الشاعر وتنقله من مختبر لمختبر أخر باحثا عن أمل في العلاج.

أما في المقطع الثالث والأخير من القصيدة:
كلُ باقةْ ..
بين إغماءةِ وإفاقةْ
تتنفس مثليّ ــ بالكادِ ــ ثانيةً .. ثانيةْ
وعلى صدرها حَمَلت ــ راضيةْ ..
اسمَ قاتِلها في بطاقةْ !
فإننا نلاحظ انخفاضا في عدد الحركات، وهذا الانخفاض نتيجة لشدة المعاناة واقتراب لحظة الوفاة.
وعليه، تتجلّى لنا هذه الثّنائيّة (الثابت/المتحرّك) من جهة حضور إيقاعِ البحر الشّعري في إحساس الشّاعر وإيقاعِ حَياتِه.
محمد الزاهدي
المستوى الصّوتي
فإنّنا نلاحظُ من خلال دراسة هذه القصيدة هيمنة الأصوات المجهورة حيث تمثل 243 حرفا في القصيدة بنسبة %64، في مقابل الأصوات المهموسة تمثل 135 حرفا بنسبة %36.
ويظهرُ أنّ استخدام الشّاعر لحرف (لصوت) التاء رَوِيًّا _ في أغلب السطور الشعرية الّذي هو صوتٌ مهموس صِلةً بموضوع القصيدة حيث إن الشاعر أمل دنقل نجده لا يرغب في التعبير عن ذاته وما يشعر به ويكتـنزه في صدره، في حين فضل أن يتحدث عن الورد بدل أن يتحدث عن نفسه، ولهذا نجده وظف صوت التاء في القافية موضحا عدم إجهاره وإفصاحه عن معاناته التي يعاني منها بسبب المرض الذي جعله حبيسا في الغرفة رقم (8).
كما أننا نجده قد وظف في قصيدته “زهور” الأصوات المجهورة أكثر من الـأصوات المهموسة حيث تشكل نسبة الأصوات المجهورة 64% بينما تشكل نسبة الأصوات المهموسة 36%.
وبالتالي هناك تباينا واضحا بين أصوات الهمس وأصوات الجهر فأصوات الجهر تفوق أصوات الهمس، وإن دل هذا فإنه يدل على قوة الشاعر وصلابته. الصلابة التي يمتاز بها كل مصري صعيدي، فرغم المرض والمعاناة التي يعانيه داخل غرفة المستشفى إلا أنه لم ييأس وواصل إبداعه مواجها المرض بالإبداع.
كما أن حضور الأصوات الثلاثة (لــيــــت) في القصيدة كان حضورا قويا، حيث نجد صوت (اللام) تكرر (41)، وصوت (التاء) تكرر (43)، وصوت (الياء) تكرر (28). فاللام والياء (لـي) تمثل ذات الشاعر أمل دنقل، بينما (ت) تمثل الكيان الطبيعي (الورد) الذي يتحدث مع الشاعر، ويروي له المعاناة التي يعانيه ذلك الكيان الطبيعي الجميل (الورد) منذ قطفها، والتي تتشابه معاناته مع معاناة الشاعر، وهو على سرير المستشفى، لأنه هو الأخر لم يترك له المرض الفرصة في العيش فقطفه في عز شبابه وينبوع عطائه.
ونجد الشاعر في بعض السياقات يغير من بعض الأصوات، وذلك له ما يسوغه، ففي السطر (2) نجده يقول:
ألمحها بين إغفاءة وإقــــــــامة
في هذا السطر وظف الشاعر صوت (القاف) باعتباره صوت مجهور وقوي لأنه في بداية القصيدة، عكس ما نجده في السطر الشعري (20) الذي يقول فيه الشاعر:
بين إغفاءة وإفـــــــــاقــة
وهنا وظف الشاعر صوت (الفاء) بدل صوت (القاف)، باعتبار صوت (ف) هو صوت مهموس دال على انتهاء هذه القصيدة، التي ستنتهي معها حياة الشاعر.
المستوى الصواتي التطريزي
فإننا نجد مختلف الأنماط التطريزية حاضرة في القصيدة، من نبر وتنغيم وإيقاع، إلخ… والمجال لا يتسع لكي نأتي على جميع الملامح، بل سنكتفي بإبراز بعض منها:
يحضر النبر بألوانه المختلفة؛ فنجد مجموعة من المقاطع المنبورة مثل: (زهور/سـلال/ الـورد/ ألمحها/ إغـفاءه/ إفاقة/ باقه/ حاملها/ بـطاقه/ الـجــميلة/ أعينها/ قــطف/ المنادين/ الـعابره/ البساتين/ الدكاكين/ تــتحدث/ تـــتنفس…).
وتجدر الإشارة إلى أن هناك نبر سياقي كأن تركز على مقطع بعينه وتحقق فيه النبر. كما يوجد نبر كلمي كذلك ويتم بالتركيز على كلمة بأكملها كقولنا مثلا: (جاء زيد البارحة) ففي هذه الجملة يمكن أن نرتكز على أي كلمة لنحقق النبر وفق الغرض الذي نرغب تأديته).
ونمثل من القصيدة على الشكل التالي:
(لحظة إعدامها في الخميلة). ففي هذا السطر نحقق النبر الكلامي على مستوى نطق الكلمة بأكملها. كما يمكن أن نحقق النبر الجملي، ويرتبط بكيفية نطق الجملة كاملة كقولنا: “زمن طويل”. فتحقيق النبر هنا مرتبط بالوقت الذي نستغرقه في نطق الجملة؛ ذلك أننا عندما نقول أننا عندما نقول قضى زيد زمنا طويلا في الاشتغال على كذا؛ نعلم أنه قضى وقتا لا يستهان به في ذلك.
وبالتالي فإن هذا النبر يؤدي وظائف متعددة، لعل أبرزها الوظيفة التعبيرية، وعلاوة على الوظيفة التعبيرية، فإنه يؤدي وظيفة إيقاعية؛ وهذا الجرس الإيقاعي يستهوي القارئ ويشده إليه.
أما التنغيم هو مرتبط بنوع الجمل الموظفة؛ ففي القصيدة قيد التحليل يتبين أنا جملة خبرية؛ وبالتالي فالنغمة متوسطة في القصيدة بأكملها. تخلو القصيدة تماما من الأساليب الإنشائية التي تعطي نغمة صاعدة كالاستفهام والأمر والنهي… نجد أسلوب التعجب هو الحاضر في ثنايا القصيدة قد يحقق نغمة موسيقية صاعدة وفق سياق الكلام والمتكلم.
المستوى المعجمي
فإنّنا في هذا المستوى سنستخرج الحقول الطاغية في القصيدة، والتي فرضها المقام على الشاعر أمل دنقل ليستقي منها مفرداته وعباراته لبناء قصيدته “زهور”، ومن بين الحقول الحاضرة في هذه القصيدة وبقوة تعبيرية وتأثيرية هو حقل الطبيعة وحقل الذات وحقل المعاناة.
وهذا ما سنلاحظه في الجدول الآتي:
معجم الطبيعة: الورد – باقة – الزهرات – الخميلة – عرشها في البساتين – الخضر …
فيدل على عناصر الطبيعة البارزة في الورد الذي كان يخاطب الشاعر، ويصور لنا هذا المعجم تماهي الشاعر مع سلال الورد التي تتشابه حياته مع حياة الشاعر أمل دنقل، لأنهما يتشاركان نفس المعاناة.
معجم المعاناة: إغفاءة وإقامة – القطف – القصف – إعدامها – سقطت – أحزانها – تجود بأنفاسها الآخرة – إغماءة وإفاقة – تتنفس مثلي بالكاد – قاتلها…
فيدل هذا المعجم على المعاناة التي يعانيها الورد لحظة القطف، وهي نفس المعاناة التي يعانيها الشاعر لحظة إصابته بالمرض الذي أقبره في سرير المستشفى، وعجل بوفاته.
معجم الذات: ألمحها – تتحدث لي – جاءت لي – تتمنى لي – تتنفس مثلي…
ويدل هذا المعجم على ذات الشاعر أمل دنقل التي اتخذت من الطبيعة ملجأ لها، لتتقاسم معها المعاناة المريرة التي تشعر بها وهي تصارع المرض.

المستوى الصّوتي
فإنّنا نلاحظُ من خلال دراسة هذه القصيدة هيمنة الأصوات المجهورة حيث تمثل 243 حرفا في القصيدة بنسبة %64، في مقابل الأصوات المهموسة تمثل 135 حرفا بنسبة %36.
ويظهرُ أنّ استخدام الشّاعر لحرف (لصوت) التاء رَوِيًّا _ في أغلب السطور الشعرية الّذي هو صوتٌ مهموس صِلةً بموضوع القصيدة حيث إن الشاعر أمل دنقل نجده لا يرغب في التعبير عن ذاته وما يشعر به ويكتـنزه في صدره، في حين فضل أن يتحدث عن الورد بدل أن يتحدث عن نفسه، ولهذا نجده وظف صوت التاء في القافية موضحا عدم إجهاره وإفصاحه عن معاناته التي يعاني منها بسبب المرض الذي جعله حبيسا في الغرفة رقم (8).
كما أننا نجده قد وظف في قصيدته “زهور” الأصوات المجهورة أكثر من الـأصوات المهموسة حيث تشكل نسبة الأصوات المجهورة 64% بينما تشكل نسبة الأصوات المهموسة 36%.
وبالتالي هناك تباينا واضحا بين أصوات الهمس وأصوات الجهر فأصوات الجهر تفوق أصوات الهمس، وإن دل هذا فإنه يدل على قوة الشاعر وصلابته. الصلابة التي يمتاز بها كل مصري صعيدي، فرغم المرض والمعاناة التي يعانيه داخل غرفة المستشفى إلا أنه لم ييأس وواصل إبداعه مواجها المرض بالإبداع.
كما أن حضور الأصوات الثلاثة (لــيــــت) في القصيدة كان حضورا قويا، حيث نجد صوت (اللام) تكرر (41)، وصوت (التاء) تكرر (43)، وصوت (الياء) تكرر (28). فاللام والياء (لـي) تمثل ذات الشاعر أمل دنقل، بينما (ت) تمثل الكيان الطبيعي (الورد) الذي يتحدث مع الشاعر، ويروي له المعاناة التي يعانيه ذلك الكيان الطبيعي الجميل (الورد) منذ قطفها، والتي تتشابه معاناته مع معاناة الشاعر، وهو على سرير المستشفى، لأنه هو الأخر لم يترك له المرض الفرصة في العيش فقطفه في عز شبابه وينبوع عطائه.
ونجد الشاعر في بعض السياقات يغير من بعض الأصوات، وذلك له ما يسوغه، ففي السطر (2) نجده يقول:
ألمحها بين إغفاءة وإقــــــــامة
في هذا السطر وظف الشاعر صوت (القاف) باعتباره صوت مجهور وقوي لأنه في بداية القصيدة، عكس ما نجده في السطر الشعري (20) الذي يقول فيه الشاعر:
بين إغفاءة وإفـــــــــاقــة
وهنا وظف الشاعر صوت (الفاء) بدل صوت (القاف)، باعتبار صوت (ف) هو صوت مهموس دال على انتهاء هذه القصيدة، التي ستنتهي معها حياة الشاعر.
المستوى الصواتي التطريزي
فإننا نجد مختلف الأنماط التطريزية حاضرة في القصيدة، من نبر وتنغيم وإيقاع، إلخ… والمجال لا يتسع لكي نأتي على جميع الملامح، بل سنكتفي بإبراز بعض منها:
يحضر النبر بألوانه المختلفة؛ فنجد مجموعة من المقاطع المنبورة مثل: (زهور/سـلال/ الـورد/ ألمحها/ إغـفاءه/ إفاقة/ باقه/ حاملها/ بـطاقه/ الـجــميلة/ أعينها/ قــطف/ المنادين/ الـعابره/ البساتين/ الدكاكين/ تــتحدث/ تـــتنفس…).
وتجدر الإشارة إلى أن هناك نبر سياقي كأن تركز على مقطع بعينه وتحقق فيه النبر. كما يوجد نبر كلمي كذلك ويتم بالتركيز على كلمة بأكملها كقولنا مثلا: (جاء زيد البارحة) ففي هذه الجملة يمكن أن نرتكز على أي كلمة لنحقق النبر وفق الغرض الذي نرغب تأديته).
ونمثل من القصيدة على الشكل التالي:
(لحظة إعدامها في الخميلة). ففي هذا السطر نحقق النبر الكلامي على مستوى نطق الكلمة بأكملها. كما يمكن أن نحقق النبر الجملي، ويرتبط بكيفية نطق الجملة كاملة كقولنا: “زمن طويل”. فتحقيق النبر هنا مرتبط بالوقت الذي نستغرقه في نطق الجملة؛ ذلك أننا عندما نقول أننا عندما نقول قضى زيد زمنا طويلا في الاشتغال على كذا؛ نعلم أنه قضى وقتا لا يستهان به في ذلك.
وبالتالي فإن هذا النبر يؤدي وظائف متعددة، لعل أبرزها الوظيفة التعبيرية، وعلاوة على الوظيفة التعبيرية، فإنه يؤدي وظيفة إيقاعية؛ وهذا الجرس الإيقاعي يستهوي القارئ ويشده إليه.
أما التنغيم هو مرتبط بنوع الجمل الموظفة؛ ففي القصيدة قيد التحليل يتبين أنا جملة خبرية؛ وبالتالي فالنغمة متوسطة في القصيدة بأكملها. تخلو القصيدة تماما من الأساليب الإنشائية التي تعطي نغمة صاعدة كالاستفهام والأمر والنهي… نجد أسلوب التعجب هو الحاضر في ثنايا القصيدة قد يحقق نغمة موسيقية صاعدة وفق سياق الكلام والمتكلم.
المستوى المعجمي
فإنّنا في هذا المستوى سنستخرج الحقول الطاغية في القصيدة، والتي فرضها المقام على الشاعر أمل دنقل ليستقي منها مفرداته وعباراته لبناء قصيدته “زهور”، ومن بين الحقول الحاضرة في هذه القصيدة وبقوة تعبيرية وتأثيرية هو حقل الطبيعة وحقل الذات وحقل المعاناة.
وهذا ما سنلاحظه في الجدول الآتي:
معجم الطبيعة: الورد – باقة – الزهرات – الخميلة – عرشها في البساتين – الخضر …
فيدل على عناصر الطبيعة البارزة في الورد الذي كان يخاطب الشاعر، ويصور لنا هذا المعجم تماهي الشاعر مع سلال الورد التي تتشابه حياته مع حياة الشاعر أمل دنقل، لأنهما يتشاركان نفس المعاناة.
معجم المعاناة: إغفاءة وإقامة – القطف – القصف – إعدامها – سقطت – أحزانها – تجود بأنفاسها الآخرة – إغماءة وإفاقة – تتنفس مثلي بالكاد – قاتلها…
فيدل هذا المعجم على المعاناة التي يعانيها الورد لحظة القطف، وهي نفس المعاناة التي يعانيها الشاعر لحظة إصابته بالمرض الذي أقبره في سرير المستشفى، وعجل بوفاته.
معجم الذات: ألمحها – تتحدث لي – جاءت لي – تتمنى لي – تتنفس مثلي…
ويدل هذا المعجم على ذات الشاعر أمل دنقل التي اتخذت من الطبيعة ملجأ لها، لتتقاسم معها المعاناة المريرة التي تشعر بها وهي تصارع المرض.

المستوى الصّرفي
وأما على المستوى الصرفي فقصيدة “زهور” تزخر بتنوع الأفعال، والمزج بين أزمنتها إذ نجد أن الأفعال التي اعتمدها الشاعر (أمل دنقل) تنتمي إلى زمنين مختلفين هما: زمن الماضي (سقطت، جاءت، اشترتها..)، وزمن الحاضر (تتحدث، ألمحها، تتنفس…)،وما هذا المزج بين الأزمنة إلا تعبير عن الإحساس بالألم والحزن والمعاناة الذي يعتري الشاعر، ورغبته في التعبير عن كل ما يعيشه لحظة بلحظة. كما أنه أعتمد على أفعال ذات صيغ مختلفة نحو فعل وتفعل وهي صيغ تنتمي إلى أفعال مجردة ومزيدة مثل: ألمحها، تتحدث، جاءت…
ويغلب على القصيدة صيغة اسم الفاعل المشتقة من الرباعي نحو: قاتل، حامل، عابر وهي عبارة عن صيغ دالة على من قام بالفعل. والمتأمل في هذه الصيغ سيستشف أن الشاعر أمل دنقل يتحدث في هذه القصيدة عن لحظاته الأخيرة في الحياة، لأن كل الصيغ تجري مجرى النهاية.
كما وظف الشاعر صيغ جمع التكسير الدالة على القلة والكثرة، ومن هذه الصيغ نجد فعاليل، أفعال، أفعل، فعال، وسنأتي ببعض أمثلتها من القصيدة نحو: بساتين، دكاكين، سلال، أعين، أحزان، أعناق، أنفاس…، وجمع التكسير هو ما يزيد عن ثلاثة مع تغيير يصيب مفرده، وهذه الصيغ ما هي إلا دليل عن قوة الألم وعمق الحزن الذي يعتري الشاعر.
المستوى التّركيبي
تُطالعنا الضّمائرُ وإحالاتُها، وعلاقات الوحدات مع بعضها البعض في المحور المُرَكّبيّ والاستبدالي (الجدّوليّ).
 بِنيَةُ الكَـهِـهَـمِـيـها:
من خلال دراسة بنية الضّمائر في القصيدة يتّضحُ لنا حضور ضمير الغائب (حضور الضمير “ها” بكثرة، في حين غياب الضّميرُ “هُمْ” وضمير المخاطب “ك”)، أمّا ضمير المتكلم فنجدُهُ حاضرًا بقُوّة في جسد القصيدة.
ومنه نستنتج هيمنة ضميري الغائب كَمّيًّا، في مقابل حضور ضمير المتكلم حُضورًا كيفيًّا؛ وهذا بارزٌ في المقطع الثاني من القصيدة.
وإن دل هذا فإنه يدل على قوة الغياب في القصيدة فالشاعر أمل دنقل يخاطب كيانا غائبا ويحاول إخفاء ذاته التي يرى أنها تملك نفس المصير.
حسب مبدأي العلاقات الاستبدالية (الجدولية) والعلاقات المُركَّبِيَّة (Principes des rapports paradigmatiques et rapports syntagmatiques): حيثُ إنّ الدّوالّ (signes) –بالمفهوم السّوسيريّ- تُصبحُ في اتصال بعضَها مع بَعْضٍ، وتُصبِحُ قيِمتُها في امتزاجٍ مع باقي الدّوالّ الحاضرة في البنية في علاقة تقابلية – تحديدية، وهي علاقات مُركّبيّةٌ تُبْنى عن طريق تسلسل (concaténation) هذه الوحدات (الدّوال). في حين، يكون حضورها داخل السّلسلة ناتجًا عن اختيار (يُسمّى بمحور الاختيار (axeduchoix)) من بين دوالَّ أُخرى غائبةٍ، فتصيرُ من جديد في علاقة تقابلية – تحديدية، لكن هذه المرة في إطار جدوليّ استبدالي، وتتّضح هذه العلاقات في السطر السادس حيثُ يقول الشّاعرُ:
أن أعينها اتسعــت دهشـــــــــــــة
حيثُ إِنَّ كلمة “دهشة” تدخلُ في علاقة استبدالية (جدولية)؛ إذ قد تستبدلُها بكلمة “حيرة أو ارتباك “، لكن الشاعر اختار أن يوظف كلمة “دهشة” لأنهم لم يتركوا أية فرصة للوردة عندما أرادوا قطفها، لأن الحيرة أو الارتباك هي نتيجة مهلة من الزمن والقاطف لا يترك أي مهلة للوردة، بينما سرعة القطف جعلتها تندهش، وكذلك ينسحبُ الأمرُ على كلمتي “القطف ” الموجودة في السطر السابع، فهذه المفردة تـأكد ما قلناه على اختيار الشاعر لكلمة “دهشة”، بالإضافة إلى هذا فإن”القطف” هو من خاصية النبات (الورد) عوض توظيفه لمفردة “الخطف” لأن السياق يتطلب ذلك.
وفي السطر الثامن نجد الشاعر قد وظف “القصف” لأنه هو التصوير المناسب لبيان شدة القطف المفاجئ والمباغت.
وفي السطر التاسع وظف الشاعر أمل دنقل”الخميلة” بدَل “المزهرية” لأن الخميلة هي موضع كثير الشجر لكن هذا الموضع لا يقصد به المكان العادي الذي نتصوره أي مكان كثيف الشجر وإنما يدل على مكان كثير الأسِرّة وهو المستشفى الذي يرقد فيه الشاعر.
وفي السطر الرابع عشر استعمل الشاعر كلمة “العابرة” عوض “المارة” لأن كلمة “العابرة” أكثر دلالة من المارة في سياق القصيدة فالعابر يعبر دون العودة فهو ينتقل من مكان لأخر عكس المارة يذهب ويعود.
وفي السطر السابع عشر نجد كلمة “الخضر” الذي استعملها الشاعر ليبين للقارئ قساوة المشهد، وهو قطف الورد في عز تفتحه وعنفوانه وهنا يشبه الشاعر حالته بحال الورد الذي قطف في عز تفتحه وذات الشاعر التي أصيبت بالمرض الخبيث في عز شبابه.
وفي السطر الثالث والعشرين وظف أمل دنقل مفردة “راضية” عوض “رافضة” لأنها راضية بما كتب لها كما يرضى الشاعر بما أصابه في مقتبل عمره وفي قوة شبابه.
وإذا انتقلنا إلى الحديث عن الجمل نجد قصيدة “زهور” تضم نوعين من الجمل هما:
الجمل الفعلية والجمل الاسمية بشكل متقارب ومتشابه من حيث الكم.
ومن أمثلة الجمل الفعلية الواردة في القصيدة للجمل نجد:
ألمحها بين إغفاءة وإقامة
تتحدث ليّ الزهرات…
سقطت من على عرشها…
أشترتها اليد المتفضلة…
جاءت إليّ…
تتنفس مثلي…
فإذا تأملنا طبيعة الأزمنة الواردة في القصيدة نجد أنها تتأرجح ما بين الزمن الماضي والحاضر. وكان الداعي من استحضار الشاعر لزمنين مختلفين هو كون الزمن الماضي يدل على حياة الورد والشاعر السابقة. بينما الزمن الحاضر يدل على الوضع الحالي الذي يعيشه كلا من الورد والشاعر وهي حالة يرثى لها.
كما أن الشاعر قد اعتمد على توظيف أقل الأزمنة تناهيا وهو (اللحظة) لتكثيف المعنى، وقد تجلى ذلك في بعض الأفعال مثل (ألمحها)، وبعض الألفاظ مثل (إغفاءة)، ونجد ذلك بوجه خاص في ترديده لظروف الزمان الدالة على هذا الحيز الزمني الضئيل. مثل:
تتنفس مثلي – بالكاد – ثانية – ثانية…
ومن أمثلة الجمل الاسمية نجد :
أن أعينها اتسعت دهشة
لحظة القطف
لحظة القصف
لحظة إعدامها…
محمد الزاهدي

فإن هذا المقطع هو وثيق الصلة بتجربة الشاعر، فهذه الرحلة القصيرة للورد بكل حقائقها ورموزها هي ذاتها رحلة الشاعر القصيرة في الحياة، وحديث الورد عن رحلته البائسة في الحياة ليس إلا حديث الشاعر عن تجربته أو رحلته القصيرة في الحياة، ولم يكن هذا القطف والقصف والإعدام في الخميلة سوى رمز للنهاية المأسوية التي أحس بها الشاعر بعد مرضه العضال.
ولم يكن سقوط الورد من على عرشها في البساتين إلا دلالة على سقوط الشاعر على سرير المستشفى وهو في قمة عطائه وإشعاعه الإبداعي، وكما أفاق الورد من إغماءه على عرضه في زجاج الدكاكين أو بين أيدي الباعة المتجولين، كذلك أفاق الشاعر من إغماءه ليجد نفسه يتقلب بين أيدي الأطباء والممرضين وبين حقن الدواء وإبر التحليل حتى استقر به الحال وحيدا في غرفته فصار مثل سلال الورد التي تشاركه الغرفة وتشاركه المعاناة.
وهكذا فقد تعرض الشاعر والورد كلاهما فجأة ودون سابق إنذار للحظة القطف والقصف والإعدام، وهما أشد ما يكونان عطاء وشبابا وعنفوانا، ولم تكن تلك الأعين التي اتسعت دهشة لحظة القطف إلا تعبيرا عن الصدمة التي أذهلت الشاعر حين هاجمه المرض الفتاك وهو في عنفوان شبابه وعطائه فكانت الدهشة مرادفا للحيرة والعجز عن تفسير الحديث وتبريره.
كما أننا نرى أن الشاعر قد تماهى مع الورد بشكل واضح وبارز مبينا تلك المفارقة التي تضع الإنسان في مواجهة حادة حول تصرفاته ومواقفه الإنسانية، فمجيء الزهرات لتتمنى العمر لصديقها وهي تجود بأنفاسها الأخيرة ليس إلا درسا في التفاني والحب والإخلاص والوفاء الذي غاب واندثر في زمن الشاعر وفي زمننا نحن أيضا، والوجه الآخر لهذه المفارقة يؤكد الصلة الوثيقة التي عقدها الشاعر مع كائنات الطبيعة.
وفي المقطع الثالث والأخير يقول الشاعر:
كلُ باقةْ ..
بين إغماءة وإفاقةْ
تتنفس مثليّ ــ بالكادِ ــ ثانيةً .. ثانيةْ
وعلى صدرها حَمَلت ــ راضيةْ ..
اسمَ قاتِلها في بطاقةْ !
فهذا المقطع هو امتداد لمفارقة المقطع الثاني، فهذه المفارقة تمس العنوان ذاته الذي يوحي بأن الشاعر سيتحدث عن الزهور، في حين أن الزهور هي التي تتحدث، وتتبدى لنا المفارقة أيضا في ثنائية (الإغماءة، الإفاقة) فقد قامت علاقة الشاعر بسلال الورد وهو بين إماء وإفاقة، تلك الحالة التي لم تلبث الزهور غلا أن مرت بها فتحقق بذلك التوحد في صورته النهائية.
وبالتالي فمن خلال مقاربتنا لهذه القصيدة من الناحية التأطيرية ومن الناحية التحليلية ومن الناحية التركيبية، فإن هذه القصيدة تعد عملا فنيا رائعا وبارعا ذا موقف ميتا فيزيقي، إذ تحول فيها الشاعر أمل دنقل من الوضع الطبيعي العادي إلى رؤية متعمقة في الحياة والموت باستخدام وسائل معنوية ولغوية أسهمت في أداء المعنى كما يريده الشاعر.
ومن الملفت للنظر في هذه القصيدة “زهور” الغياب الظاهري للعنصر البشري وحضور عناصر الطبيعة النقية الصافية غير المنافقة، وفي هذا العالم الشعري الإبداعي الجديد نلمس مقابلة واضحة بين طرفين متناقضين، يمثل أولهما الحياة المتدفقة بما فيها من حيوية وحرية، في حين يمثل الآخر الذبول والهمود والتحجر والموت.
وما من شك في أن انتقال الشاعر من تصوير المفارقة في عالم التجربة البشرية إلى تصوير المفارقة في عالم الطبيعة له مبرراته، فمن الناحية النفسية أمل دنقل نفسه، المرحلة الأولى هي مرحلة ما قبل إصابته بالمرض، والثانية بعد هذه المرحلة، فكان هاجس الموت الذي سيطر على تصوره ورؤيته في أخر أيام حياته هو الذي جعله يتأمل في الكون وفي كائنات الطبيعة تأملا عميقا مبينا فيها صلة الإنسان بالكائنات الطبيعية، وهي صلة وثيقة متشابهة في المشاعر والأحاسيس الداخلية التي لا يفصلها عن الإنسان إلا الهيئة الخارجية.

لائحة المصادر والمراجع
– أمل دنقل، الأعمال الشعرية الكاملة، مكتبة مربولي، القاهرة، ط 3، 1407هــ – 1987م، ص 370.
2- مجلة فلسطين اليوم، مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، بيروت-لبنان، الجمعة 25/05/2018، العدد 4651، ص 30.
3- المرجع نفسه، ص 30.
4- د. جابر قميحة، التراث في شعر أمل دنقل، هجر للطباعة والنشر، القاهرة، ط 1، 1987، ص ص: 5/ 6.
5- عبلة الرويني، الجنوبي “أمل دنقل”، دار سعاد صباح، ط1، 1992م، ص 21.
6- أنس دنقل، أحاديث أمل دنقل، 1992م، ص 104.
7- عبلة الرويني، الجنوبي “أمل دنقل”، المرجع السابق، ص 10.
8- المرجع نفسه، ص 56.
9- المرجع نفسه، ص 123.
10- المرجع نفسه، ص 125.
11- المرجع نفسه، ص 127.
12- المرجع نفسه، ص 121.
13- المرجع نفسه، ص 120.
14- المرجع نفسه، ص 133.
15- المرجع نفسه، ص 117.
16- المرجع نفسه، ص 117.
17- المرجع نفسه، ص 127.
18- المرجع نفسه، ص 128.
19- المرجع نفسه، ص 128.
20- المرجع نفسه، ص 128.
21- المرجع نفسه، ص 145.
22- المرجع نفسه، ص 146.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *