اي مؤتمر تاسيسي واي حل؟/2

latifa_aldlimy

عبدالامير الركابي

المرتكزات او الموضوعات التي انطلق منها المجتمعون المؤسسون لخيار المؤتمر التاسيسي في باريس عام 2003 كانت تقول: بان الغزو الأمريكي قد اجهز على الدولة التي أقامها الغرب نفسه بعد 82 عاما من عمرهاوقت ان انقلبت علاقة الامبريالية بالعالم غير الغربي من قاعدة “بناء الأمم” الى “تفتيتها” بحسب مايتوافق مع مصالحه عبر تغير الاشتراطات والظروف الخاصة بمتغيرات بنيته وطريقة ادائه.
وفي مثل هذه الحالة وبسبب عدم وجود نظام سياسي مستند الى الارادة المجتمعية العراقية من قبل، ومع سحق بنى الدولة المركبه من خارج النصاب المجتمعي، فلقد صار لازما التقاء ممثلين عن المجتمع بكل مكوناته، ومختلف انتماءات أبنائه، في مؤتمر عام مفتوح يحدد نوع النظام الذي يريد العراقيون العيش في كنفه من هنا فصاعدا.
وكان ذلك بعني وللمرة الأولى في التاريخ العراقي الحديث، الاتجاه الى صياغة، ان لم يكن صناعة الخيار الوطني على مستوى الوطنية والدولة، بعد اكثر من ثلاثة ارباع القرن من العيش تحت وطاة حكومات مركبة من اعلى، وبمابتوافق مع مصالح المستعمرين وضمان نفوذهم في العراق 1921/ 1958 بغض النظر عن اكتمال اشتراطات التشكل الوطني، أوعلى ايقاع القطبيه الدولية وقاعدة الريع النفطي والعقائدية العائلية 1968/2003. وليس مثل هذا الانتقال بين الخيارين والحالتين بالامر العادي، او الذي يمكن ان يتحقق او نتوهم إمكانية تحققه بين ليلة وضحاها، بالاخص بظل استمرارتعذر وغياب الرؤية الوطنية والذاتية، وتوطن وتكريس مفاهيم الايديلوجيات الحزبية وما يتصل بها من رؤى مستعارة عن الدولة والوطنية المقحمه والمركبة من خارجها، وخلافا لما تنطوي عليه البنية التاريخية من خاصيات.
وكان مما لامهرب منه على مايبدو وخلافا لما كان يبدو ظاهرا وبحكم الاعتياد، تحول شعار او مبدا ” المؤتمر التاسيسي”الى اطار مفتوح وعملية تشكل، من نوع فريد فرادة المكان الذي تنطلق فية واستجابة لموقعه ودوره، لم يكن من المتوقع ان يستمر كما بدا، لامن حيث المنطلقات والوعي، ولا على مستوى الأشخاص وتوجهاتهم وخياراتهم ضمن الظروف المتقلبه والمتغيرة، ، وفي حين كان قد تعزز لدى بعض المؤسسين ميل الى اعتبار مااطلق عليه “المؤتمر التاسيسي” أساسا، من قبيل العنوان الرمزي الدال على ضرورة ملحة مستجدة تتعلق ببناء الوطنية العراقية الغائبة والمتعذرة، بتجاوز الطور الايديلوجي الحزبي ومسبقاته المنقولة واستعاراتهأ، اتجه البعض الى النزول بالخيار الى إقامة “الدكاكين” المنتمية تفكيرا ورؤية وسلوكا الى الترسانة المنتهية الصلاحية نفسها، ليندرج أخيرا ضمن المخالفة/ المعارضة الشكلية على الأرضية نفسها. وكما هو الحال فلقد شخصت اليوم أيضا وبقوة مسالة أساسية مصدرها التعرف على الذات والكينونة الغائبة تاريخيا والخارجة عن طاقةالعقل على الاحاطة، ماكان يمنع حتى حينه الانتقال من النقل الى اعمال العقل.
يمكن ان يتساءل أيا كان ترى ماعلاقة كتاب مثل “ارضوتوبيا العراق وانقلاب التاريخ” او ” تجديد النبوة والثورة الكونية الكبرى الاتية من جهة العراق” الأول صدر عام 2008 والثاني في 2011 او سلسلة منشورات ” دفاتر اخر الزمان، الصادرة في العراق بعد عام 2011 بدعوى “المؤتمر التاسيسي”، وتساؤل كهذا سيكون معقولا وفي الصدد مادام العقل مستمرا على العيش وفق ثباتية أفكار انتهى مفعولها اليوم، هي وكل اشكال ممارستها، ونوع تعاملها مع الأشياء والمهمات، غير ان الكتاب الأول المذكور ذهب ولأول مرة في تاريخ العراق والشرق المتوسطي الى محاولة إرساء أسس منظور مجتمعي مخالف، لايخضع للرؤية الغربية الشائعة، وهذا امر بديهي الحصول، وبالذات منها ماتعتمده وتضخه الاكاديميات الفرعية الوظيفية المقامه في منطقتنا.
ان ما نوه عنه الكتاب مدار التناول، هو تعددية مجتمعية يتجاهلها ويرفضها وقصر عنها “علم الاجتماع” الغربي الحديث، الذي يوحد المجتمعات، ويجعل منها نمطا واحدا يضع نفسه سيدا من بينها يفرض عليها قانونه “الطبقي” ومراحليته، ويجب بهذه المناسبة ان نعلم بان علاقة العقل البشري بالظاهرة المجتمعية يحكمها قانون تفارقية، يعجز العقل ابانها عن ادراك سر ومنطويات الظاهرة المجتمعية، متصيرا اجباريا داخلها على مدى الاف السنين، قبل ان يبدا بادراكها والاقتراب من كنهها والمضمر فيها، وهذا ماحدث كافتتاح وبداية مع منتصف القرن التاسع عشر حين عرف “علم الاجتماع” الغربي، اخر العلوم، وصار المقطع المجتمعي معطى قابلا للدرس والتفحص، انما من دون ان يعني ماقد جرى التوصل اليه بلوغ العقل الإنساني فجاة وعند اول خطوة من هذا القبيل، مستوى الاحاطة التامه بالظاهرة التي ظلت على مدى يقرب من عشرة الاف عام، خارج الادراك العياني.
والغرب بالطبع يصور ماقد حققه على الصعد كافه على انه القمة والمنتهى، ومن ذلك “علم الاجتماع” الذي يعامله الغربيون كايقونة لايخلو النظر اليها ولقيمتها الفعليه من سذاجه وانبهار بالذات، وهو مايظهر تحديدا في الماركسية ونظرية “المادية التاريخية” وحتمياتها، ومثل هذا الموقف من المنجز الهام والفاصل، من قبل من تحقق على أيديهم، يجد تبريره في طبيعة مجتمعهم الأحادية البنية، هذا اذا اقرينا على خلاف مايراه الاوربيون الى اليوم،ان المجتمعات ثلاثة أصناف هي : المجتمع الازدواجي التحولي، ومجتمعات أحادية الدولة، ومجتمعات أحادية اللادولة، هي الرئيسية بالإضافة لمجتمعات مختلطة.
واعرق شكل من اشكال مجتمع أحادية الدولة هو المصري النيلي، المقارب في الظهور زمنيا الى المجتمعية الازدواجية التحولية الرافدينية الأسبق، واعلى اشكال مجتمع الأحادية بنية وديناميات هو المجتمع الانشطاري الطبقي الأوربي على الضفة الثانية من المتوسط، واعلى شكل من اشكال مجتمع اللادولة الذي كان موطنه أمريكا قبل الغزو الأوربي وفي أمريكا اللاتينية ومثاله المايا والازتك، واستراليا وبعض افريقا، وأجزاء من اسيا، مع الجزيرة العربية أحادية اللادولة المحكومة لاقتصاذ الغزو، وقانون الاحتراب: “اقتل لتعيش” بدل العمل المتعارف عليه في الأرض التي هي في الجزيرة صحراء بلا مردود انتاجي، مايبطل الاختصاص الحربي والجيوش، ويحول المجتمع هو نفسه بكليته وبكينونته الى جيش يتمتع بطاقة احتراب لاترد وفقا لاشتراطات الاحترابية الأولى، وهو الطبيعي مادام الانسان هنا يرضع الحرب مع أولى ساعات تفتح عينيه.
والمهم اذا كنا نريد ان نبدا معاينة تقارب مايمكن ان نطلق عليه “علم اجتماع شرق المتوسط” ان ننظر لخاصية احتشاد الأنماط المجتمعية في بقعة أرضية معلومة بذاتها، هي نقطة البدء والمنطلق المجتمعي التاسيسي، ففي هذا الجزء من العالم يتجاور ويتكامل فعل كيان ازدواج مجتمعي، ومجتمع أحادية دولة نيلي، ومجتمع أحادية لادولة محارب، ومدى شامي مفتوح حيث لاكيانية، وحيث الممكن دول مدن. وليس مانحاول تأكيده هنا بخصوص احتشاد الأنماط، مجرد محاولة وصفية خالية من ملاحظة ارتباطها بالالية المجتمعية التاريخية، وعلى مستوى الصيرورة المجتمعية الاشمل، فنحن نعتقد ان هذا الجزء من العالم الواقع في القلب من اليات المجتمعيات وصيرورتها، هو الأعلى ديماميات وتوافقا مع غيات الظاهرة المجتمعية وبناء عليه مستوى الفعل التحولي على مستوى المعمورة.
والامر يختلف بالطبع بهذا الخصوص تقييما بحسب زاوية النظر لمنطويات واغراض المجتمعية وماهي مصممة لادائة والوصول اليه كنهاية ومقصد ( المادية التاريخية اقترحت رغم ” ماديتها” قانونا ناظما للمجتمعات ومحتم، لكنها لم تجب بخصوص مصدر ومعنى وجود قانون وحتمية قدرية مصممة مسبقا كهذه، وهذا اهم ملمح من ملامح تناقضيتها الفاضحة المسكوت عنها والتي لم يلاحظها المؤمنون بصوابيتها) والمؤكد ان الفارق في النظر وفي رؤية الدلالات والمعنى، سيتغير ان لم ينقلب كليا، اذا توصلنا الى كون المجتمعية سائرة الى مايضادها، والى “ضد مجتمعية”، وان المجتمعيات هي ظاهرة محكومة لقاعدة التحول، خاضعه ل ويسري عليها قانون الزوال وانتهاء الصلاحية المنتهي بانتهاء زمن وجود الكائن البشري على كوكب الأرض، والذي هو حالة ضرورة مؤقته ولها نهاية، تختتم ببدء انتقال الكائن الحي الى الاكوان العليا، كطور تحولي موافق لطبيعة التحولية الكونية الشاملة.
منظور من هذا القبيل سوف يقلب من دون ادنى شك، كل ماتعارف عليه الكائن البشري من مفاهيم تتعلق بالمجتمعات والوجود ومضمرته وافاقه، واجمالي مقاصد واستهدافات ونوع اليات مايعرف بالتاريخ التابيدي المغلق، او مانطلق عليه اسم الصيرورة التحولية، والاهم في هذا ان نتوصل الى كون المجتمعات وبنيتها قد وجدت منطوية على أسباب واليات التحول والانتقال من “الانسايوان” الحالي ( عقل / جسد حيواني) الطور الانتقالي من الحيوان الى الانسان، بعكس مايتداوله المفهوم الاعتباطي الاحاديى باطلاقه على كائن مايزال في طور التشكل، وفي اخر مراحل وبقايا ومتعلقات الحيوانية، تسمية “الانسان” الكائن الهدف الأخير النهائي من وجود الحياة على الأرض، والذي يتطابق وجوده أخيرا، مع غاية التحول والانتقال الفوق ارضي.
لقد ابتعدنا كثيرا وكثيرا جدا، عما كنا ابتدانا به، وها نحن نثب وثبة هائلة من شعار سياسي اسمه “المؤتمر التاسيسي” الى افتراض من نوع وطبيعة أخرى، فهل للانتقالة غير المتوقعه هذه أي تبرير او مسوغ يجعلها مقبوله ؟ الامر هنامنوط كما اسلفنا بضرورة ملحة ولاغنى عنها، لم يعد بالإمكان اطلاقا تصور أي فعل سياسي عراقي من أي نوع كان اذا افترضنا الصدوع لاحكام واشتراطات الظرف واللحظة، من دون مقاربته وهو مايعني، وعنبنا به من البداية اماطة اللثام عن الذاتية، او “الوطنية العراقية”، بما هي وطنية ازدواج وتحول كوني، اليها وفيها يتركز بالاصل، ومنذ سومر، حضور الغائية العليا التحولية المجتمعية الفردية عراقيا وعلى مستوى المعمورة.
ـ يتبع ـ
مؤتمر تأسيسي تحولي و “قران العراق”

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *