الموهبة بين سندان الأنانيّة ومطرقة الحسد

latifa_aldlimy

پاوان علي

(شهادة أديبة)

لقد قررت أن اكتب من جديد، أكتب عن فوضى مشاعري ؛ فمنذ زمن طويل لم اكتب شيئا يُذكَر، بل نسیت الکتابة وأنا العاشقة للحبر والقلم والورق وللحروف والكلمات والشعر.
لم أدرك ولم افهم حتى هذه اللحظة وأنا اكتب هذه السطور؛ لماذا ادوّن احاسيسي على الاوراق؟
لكني اعرف شيئا واحدا، ألا وهو ان كل شئ في هذه الدنيا مقيّد ، والانسان لا يمتلك حتى نفسه! حيث لا يحق له ان يفكر كما يشاء، وان يكتب ما يحس به من المشاعر حتى على اوراقه الخاصة!
فثمّة بعض الناس يتصرفون كما لو انهم متجردون من الشعور الانساني، وانهم يفقدون صوابهم في سبيل تحقيق مآربهم الخبيثة، بلْ يعذبون الآخرين ليسكتوهم ويستغلّوهم ؛ من اجل إشباع انانيتهم .
و هنا اتساءل : هل ان هؤلاء يتصرّفون هكذا بدون ارادتهم، أم عمداً وعن قصد؟ ولماذا يصرون على التمادي …؟
هل انهم مرضى؟
وا عجبي ! فهم لا يحسبون أيّ حساب لمشاعر غيرهم !
فهلْ أنهم مجانين فقدوا عقولهم؟!
وهكذا يحلو لهم تدمير مشاعر الآخرين!
هل أضع هؤلاء في صف المجرمين، أم مع المتخلفين، أو أحسبهم مرضى يحتاجون إلى العلاج؟
حسناً ماذا سيحصل لو كان كل البشرعلى كوكبنا أسوياء يحب بعضهم البعض، ويتعاضدون في
السراء والضراء ؟!
لو كان جميع البشر أسوياء خلقاً؛ لكانت حياتنا جنة حقيقية وسعادة أبدية.
لقد كنت أكتب مشاعري، وأعشق تسطيرالكلمات في لحظات فراغي ولحظات حزنى وحبي وشوقي وصمتي..
أجل كنت ألجأ إلى الورق والقلم لأسطّر كلماتي النابعة من مشاعري الصادقة ، وكنت أقضي أكثر أوقاتي مستمتعة بقراءة الكتب الفلسفية والروايات والقصص الدرامية وأستقي منها بالعلم والمعرفة والحكمة ..
وكنت أثناء قرائتي أشعر بحس دفين في أعماقي ، ألا وهو: هاجس الرغبة في الكتابة عمّا يجيش في قلبي و عقلي وروحي و وجداني من مشاعر وأفكار، بصورة منظمة لأول مرة في عشرينات عمري.
لقد كتبت خواطري عن المحبة الإنسانية والعشق المقدس ، وحاولت بقوّة تمييزي للأشياء أن أبلغ السمو الروحي وتزكية نفسي ، لكنني وجدت نفسي في صراع دائم مع التخلف ، الذي كان يحول دون تعبئة صراحتي وصدقي مع نفسي؛ في سبيل إسعاد الآخرين.ورغم ذلك تعلمت مبكّراً أن الصراحة منشأ للصداقة ؛ فغدت هذه الحكمة من مبادئي المهمة في حياتي.
ومع ذلك حدث شئ غير متوقع حال دون رؤية كتاباتي للنور؛ حيث لم أتلقّ أيّ تشجيع حتى من اقرب الناس؛ بسبب الأنانية الكامنة في النفس البشرية، والتي لم تقدر أحاسيس وأفكار أديبة ناشئة تكتب من منبع الصدق والصراحة !
أجل ؛ فقد اعتبروا فعل الكتابة غير جدير بالاهتمام!
و ها هي قصّتي :
ذات يوم رويت لأحدهم قصة كتاباتي؛ لأنني كنت اثق به، وكنت أظنّ أنه سيشجعني و يؤازرني ؛ باعتباره مثقفاً واعياً يقدر ويفهم مشاعر كاتبة صادقة؛ لكنْ وا خيبتاه فقد صدمني بسوء ظنّه وفهمه الخاطيء لغاية كتاباتي، ولم يشجعني على الاستمرار في الكتابة، بل بالعكس وبّخني على صدق مشاعري؛ ففوجئت كما لو أنني ارتكبت جرماً لا غفران له ، وكل ذنبي هو تسطير مشاعري الصادقة ! فالمشاعر الصادقة في نظره غير مسموح لها بالبوح والكتابة !
وهكذا أحبط مساري الإبداعي، بينما كان يحلّل لنفسه ما يحرّمني منه!
فأدركت حينئذ كون الإنسان انانيّاً بطبيعته؛ ويستوجب أنْ يثقف نفسه و يزكّيها حتى يسمو على همجيّته، وإلّا فالأناني بطبعه مغرور مبتلى بداء العظمة، ويرى كونه محقّاً في استغلال واضطهاد سواه؛ لأنه يستخف أصلاً بمواهب وطاقات وقدرات الآخرين الإبداعية، ويستغل منافذ صداقة وصراحة حتى أقرب الأقربين في سبيل مآربه الخسيسة متخذاً من أبسط الأشياء ذريعة و حجّة لاتهامه ظلماً ؛ حتى يحلل استغلاله له!
ومع مرور الزمن طغى اليأس عليَّ؛ لكنني ثقفت نفسي أكثر فأكثر و وعيت أكثر؛ فصرت إنسانة حرّة متمرّدة على مجتمعي المتخلف باستجابتي لإحساسي الباطني الرافض لأيّة وصاية ؛ حتى غدا في مقدوري صقل تفكيري لأكون أصدق وأصدق مع ذاتي التي اكتشفتها وراحت تؤازرني لأكون صادقة وصريحة مع الآخرين ولا أبتغي لهم سوى المحبة والمسرّة..
وهكذا فأنا عندما أكتب ؛ أعي مسؤوليتي بمراعاة شعور الآخرين وأختار هدفاً جديراً لكتاباتي…
وهنا أعود ارجع وأتساءل: هل أن الإنسان يكون مخطئاً؛ إذا كان صادقاً وصريحاً في هذا المجتمع؟! وهل يجب عليه أن يتجرد من ماهيته الإنسانيّة، ويغتال ضميره ويسجن روحه في الظلام ؛ لكي ينال رضا المرضى ؟!
وهل يدبّج مشاعر وافكاراً و آراءً زائفة وترّهات تافهة ، ويتملق داعساً على الحقيقة والحق ؛ من أجل المال والجاه والنفوذ والشهرة الزائفةوجواباً عن تلك التساؤلات السالفة أقول: سأظل أمضي قدماً على دربي المختار؛ مهما اتهمني هذا أو ذاك زوراً وبهتاناً؛ فالكتابة الحقيقية رسالة مقدسة..
ومن هذا المنظور أرى الجمال بحاستي السادسة؛ فأفسح له حقه بالتعبير عن نفسه،
ولا و لن ألفظ إلّا الحقيقة؛ مادمت إنسانة تشعر بآلام وآمال البشر.
ولابدّ للأدباء الفنّانين والعلماء أن يكونوا صادقين مع أنفسهم، ثمّ مع الآخرين ؛ حتى يحققوا أهدافهم الانسانية ؛ فيستحقون احترام المجتمعات البشرية ويظلون خالدين .
ربيع 2008

* السيّدة پاوان علي شاعرة باللغتين الكردية والعربية ومترجمة عن الفنلندية ..

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *