المفارقة في القصة القصيرة جدا :قصة “مهاجر”للقاص الجزائري محمد زوبيعة نموذجا

latifa_aldlimy

‎مريم بغيبغ‎

أولا : ماهية القصة القصيرة جدا:لقد تجاوزت القصة القصيرة جدا مرحلة العفوية والتلقائية ، وكاتب القصة القصيرة جدا اليوم يكتبها وهو على اطلاع ودراية بها نظريا وتطبيقيا، وما يؤكد ذلك هي النماذج القصصية القصيرة جدا التي تصلنا سواء المنشورة في الكتب أو في مواقع التواصل الاجتماعي ، ومن ثم فقد تجاوزت مرحلة الكتابة اللاواعية واستفاد كتاب القصة القصيرة جدا من تقنيات السرد كتقنية التشظي ، والتناص والرمز والفانتاستيك…الخ. ومنه فلن يجد الباحث صعوبة في تعريفها رغم وجود تعاريف عديدة لها ،إذ تعرفها الناقدة المغربية سعاد مسكين “بأنها ليست موضة أو موجة في الكتابة السردية الجديدة بل هي صيغة جديدة في الكتابة لها أولوياتها التي يجب أن تكرس كثوابت ومتعاليات، تتمثل في الكثافة اللغوية ، مع عمق المعنى ، وتوسع الرؤية”1، ومنه فالناقدة المغربية تعطي للتكثيف أهمية كبيرة مع عمق معنى القصة، أما الناقد السوري محمد محي الدين مينو فيرى أن “القصة القصيرة جدا حدث خاطف ،لبسوه لغة شعرية مرهفة ، وعنصر الدهشة والمفاجأة والمفارقة “2، وإذا بحثنا عن تعريفات أخرى فسيتضح أنه لا يوجد تعريف موحد متفق عليه، فلم يوفق الدارسون في تقديم تعريف جامع مانع إلا أنهم اتفقوا على أنه جنس أدبي جديد يتميز بخصائص عديدة يلخصها لنا الناقد الفلسطيني يوسف حطيني في كتابه “دراسات في القصة القصيرة جدا ” إذ يقول:”هي جنس أدبي سردي قصير جدا يتمحور حول وحدة معنوية صغيرة ، ويعتمد الحكائية والتكثيف والمفارقة ،ويستثمر الطاقة الفعلية للغة ليعبر عن الأحداث الحاسمة ، ويمكن له أن يستثمر ما يناسبه من تقنيات السرد في الأجناس الأخرى “3.
وهكذا أصبحت للقصة القصيرة جدا مجموعة من الخصائص، فهي تستند إلى مكوني الإضمار والحذف، قصد دفع المتلقي إلى تشغيل مخيلته وعقله، كما أنها تشترك مع باقي الأجناس الأخرى في خاصية الترميز، وتحول لغتها ومعجمها السردي إلى دوال رمزية،وأقنعة سيميائية وإحالات دالة ومؤشرات سيميائية أيضا، وقد يلجأ كاتب القصة القصيرة جدا إلى “إبراز تناقض ما بين الموضوعات الموضوعية أو البنى الفنية التي تشكل النص سعيا إلى تعميق الإحساس بالظاهرة التي يتنبناها” 4وذلك من خلال الجمع بين المفارقة والسخرية فماهي المفارقة؟
ثانيا : ماهية المفارقة : من الصعب أيضا أن نعطي تعريفا شاملا للمفارقة،فهي ليست ظاهرة بسيطة، فطبيعتها معقدة نتيجة للتراكمات الكثيرة لمفهومها وتطور المصطلح المستمر، فالمفارقة هي مهارة لغوية بين الكاتب والمتلقي، فالكاتب يصنع مفارقة النص وإثارة المتلقي ، والمتلقي لا يهتم بالمعنى الظاهري للنص ويعارضه ليصل إلى المعنى الذي يريده.
“فالمفارقة تشمل على دال واحد ومدلولين أثنين: الأول حرفي ظاهر وجلي ، والثاني متعلق بالمغزى موحى به، خفي،ونستطيع القول هنا : إن المفارقة تشبه الاستعارة في هذه البنية ذات الدلالة الثنائية غير أن المفارقة تشمل أيضا على علامة توجه انتباه المخاطب نحو التفسير السليم للقول،وهي هنا تختلف عن الاستعارة وهذه السمة هي من صميم بنية المفارقة ، فالمفارقة تفرض على المخاطب تفسيرها السليم ، إنها بتبليغ رسالة”5، ومنه فالمفارقة قد تشبه الاستعارة إلا أنها تختلف عنها في كون الأولى تقوم على الغموض.
ترى الناقدة نبيلة إبراهيم أن المفارقة”تعبير بلاغي يرتكز أساسا على تحقيق العلاقة الذهنية بين الألفاظ أكثر مما تعتمد على العلاقة النغمية أو التشكيلية وهي لا تنبع من تأملات راسخة ومستقرة داخل الذات ،فتكون بذلك ذات طابع غنائي أو عاطفي ، ولكنها تصدر أساسا من ذهن متوقد ووعي شديد للذات بما حولها”6…أما النقاد الغربيون فقد كانوا سباقين في الاهتمام بالمفارقة إذ يرى الكاتب والشاعر والناقد الألماني فريدريش شليجل أن المفارقة لا تتم عند كاتب منغلق، أو بمعنى آخر متقوقع فلا بد أن يخرج من هذا التقوقع حتى يستطيع أن يلعب على تناقض الأشياء وتعارضها في قوله “أن الإبداع له وجهان متناقضان لكنهما متكاملان ، فهي الوجه المنبسط ، يكون الفنان غزيرا متحمسا ذا إلهام وخيال لكن هذا الحماس الطائش أعمى فهو ليس حرا ، وفي الوجه المنكمش يكون الفنان متأملا واعيا ناقدا ذا مفارقة”7، أما الفيلسوف والكاتب الناقد الدنماركي سورين كيركجارد فنجده”يضع مفهوم المفارقة بين ما يدعوه الطورين: الجمالي والأخلاقي من التطور الروحي ورأى أن من يمتلك المفارقة الجوهرية يمتلكها طوال النهار”8،ومنه فالمفارقة ترتبط بما هو جمالي وأخلاقي ، فالكاتب لا يلجا إلى المفارقة من أجل لفت الانتباه فقط…وهنا في هذه القراءة النقدية سوف نحاول أننرصد تجليات المفارقة في القصة القصيرة جدا من خلال قصة مهاجر للقاص الجزائري “محمد زوبيعة”.
ثالثا :تجليات المفارقة في قصة “مهاجر ” : في النص الذي بين أيدينا برزت المفارقة من خلال العنوان “مهاجر” فالعنوان يعتبر صورة مختزلة لمتن النص، وإن كان العنوان هو آخر عمل يقوم به الكاتب بعد كتابة النص إلا أنه أولى عتبات المتلقي، وكلمة مهاجر اسم فاعل تدل على كل من فارق بلده إلى بلد آخر، وهنا يحاول العنوان أن يكشف الغطاء عن عدة دلالات متضادة متناقضة فجاءت الكلمة محملة بثنائيات وتقاطبات منها : مهاجر/مستقر، ذاهب/قادم، عابر سبيل/مقيم، مسافر/آت، مغترب/متوطن، نازح/قاطن، لاجئ/ عائد…الخ من التناقضات التي يطرحها العنوان، وكلها تدعو المتلقي للتساؤل والحيرة : لماذا يهاجر الإنسان وطنه ؟ لماذا يستقر في بلاد غريبة عنه ؟ لماذا يترك بيته وأهله وهويته ؟
إن النص الذي بين أيدينا يجيب على كل التساؤلات التي تتبادر في ذهن القارئ ، ففكرة النص الظاهرة تحكي عن شاب عربي عانى من جحيم الفقر والقهر والحرب، ويظهر أنه يائس من الحياة في بلده لذلك يقرر الهجرة والهروب إلى نعيم البلاد الغربية، حيث ينشد الرخاء والرفاهية، ولكنه لا يعلم أو يتغاضى على حقيقة أنه في الأخير قد قرر ركوب قارب الموت.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *