الصخب والعنف في عراق ضحية ابنائه واعدائه

latifa_aldlimy

نبيل ياسين

( كنت قررت الصمت والآن اكسر هذا الصمت من اجل اخلاق وطنية ، ولا تعلق اذا لم تقرأ)

١- الموت يكشف وضاعتنا نحن الذين مانزال على قيد الحياة
لا يكشفها عبر المواقف وانقلاب المفاهيم والعواطف المنفلتة فقط
ولا يكشفها التشفي والشماتة فقط
وانما تكشفها وضاعة اللغة والمفردات الفاحشة والسادية والمتلذذة باللحم البشري، انتم تأكلون لحم بعضكم بعضا ،
إنني ادينكم كلكم إلا واحدا اذ سيبقى دائما واحد من كلنا متعففا عن اكل لحم اخيه
،بحثت عن العراق طويلا في منشورات العراقيين منذالثالث ، من كانون الثاني،فلم اجده ، كان منقسما ، فالعراق ليس وطنا وانما كل حزب هو وطن لاعضائه ومؤدلجيه ، لم يظهر العراق الا من خلال أجزائه المبعثرة والمحترقة بلهيب الحرب بالنيابة ، وليس هناك من يقطع نزاع القوم
يكتبون : العراق اولا ، ويكتبون: ولائي للعراق، ويكتبون : انا عراقي فقط، ولكن ذلك يتصاعد متبخرا ، فانا اهاجم ايران فأنا عراقي ، وانا اهاجم امريكا فأنا عراقي ، والنتيجة تحول العراق الى نصفين ، نصف لامريكاونصف لايران ولا يبقى من العراق شيء لنا نحن العراقيين
العراقي ليس كائنا سياسيا، رغم كل هذا الضحيج الذي يعتقد مثيروه انه سياسة، العراقي فرد منتظم ، يطيع منظميه ويخضع لهم ويكون مجندا في تنظيم ، أو جماعة ، او حزب، او عشيرة، او طائفة، او شبكة ، او جهاز، وخلال تاريخ العراق االطويل، لعب الغريب الاجنبي دورا في انقسامات مواطنيه،
هل سأكون مواليا لامريكا لو قلت ان مصلحة العراق تقتضي عدم حرق الاوراق التي يملكها من خلال الاحداث والتطورات، فكان امرار جثامين شهداء الحشد الذين سقطو في القائم بغارة امريكية غادرة بموكب صامت امام السفارة الامريكية اكثر ادانة لامريكا وإغاضة لها من حرق بوابة سفارتها وكتابة شعارات انفعالية ، وكان ابقاء التهديد باخراج القوات الامريكية ورقة ضغط وتفاوض بيد العراق للحصول على تنازلات اكثر فائدة من التصويت على قرار قد لايمكن تنفيذه
وهل سأكون مواليا لايران اذا قلت انه لايحق لامريكا استباحة حق العراق واستخدام اراضي العراق وفي عاصمته ومطاره لاغتيال أي شخص يحرم الدستور الامريكي نفسه مثل هذا الاغتيال من قبل حامي دستور الولايات المتحدة نفسها ، وان هذا الاغتيال يجلب الضرر على العراق ويتيح للطرف الآخر ايضا استباحة مماثلة مما يهدد الوجودالفعلي لبلد باكمله وهو ما حصل ولم تنته تبعاته بعد، والحقيقة هي ان لا ايران ولا امريكا تريدان تقدم واستقرار وسيادة العراق ، رغم ان ايران اكثر صدقا لمشروعها اقامة ولاية فقيه في العراق عن طريق الاسلاميين الشيعة الموالين لها بينما الولايات المتحدة لا تدعم الديمقراطيين والليبراليين لاقامة نظام ديمقراطي في العراق لانها لاتريد هذا النظام في العراق رغم ادعائها بذلك

لا تتعجب ياسيد بدر شاكر السياب، لماذا تتعجب وتقول: أيخون إنسان بلاده؟
نعم يا بدر ، انه زمن الخيانة على مصراعيها، لقد كثر الخائنون حتى صاروا يلمسون باليد ويشاهدون بالعين وهم يمشون مرفوعي الرأس

٢- هذا الوطن ضحية اللغة ، ضحية االشتائم والعواطف الرخيصة والمبتذلة. ليس عند كثير من الذكور فحسب، وانما عند كثير من الإناث ايضا، بحيث يخيل لي ان مثل هذه الانثى الرقيقة محارب أشعث الشعر وكث اللحية ويحمل فأسا بين يديه مثل مقاتلي البرابرة يقاتل وهو يطلق الشتائم البذيئة
اذا اردنا ان نعرف من نحن فلننظر الى اغانينا والى اشعارنا والى اهازيجنا والى هوساتنا فهي تدفع الى الخلف كل امكانية للتعايش والسلام والبناء والكرامة والعدالة وسيادة القانون وبناء الدولة والعثور على الوطن
كل ذلك يشكل ما يعرف بالثقافة فماهي ثقافة شعبنا اليوم حين تكون( التوثية) والطلقة اداوات لكسر القلم؟
هل فكرنا بذلك ام نظل نفكر باطلاق وصف ذيل و( لوگي) وابناء الرفيقات وابناء السفارة لندعو الى العنف والقتل والتخوين وتحن نصرخ بالروح بالدم نفديك ياعراق؟
انه الاختلاف ولكن بالعاطفة لا بالعقل

٣- نبدو وكأننا عمال مسطر ننتظر مقاولا ليشغلنا عاطفيا ، نشتم بالنيابة عنه، ونقاتل بالنيابة عنه، ونثير حماستنا بالنيابة عنه ، حتى ان مثلا عراقيا بذيئا ينطبق علينا ، اتعفف من ذكره
من يقبل ان ينوب عن الآخرين ، كما هو الوضع الآن ، يعتقد انه ينوب من اجل الوطن ، لكن الامر الحقيقي انه يقدم وطنه قربانا للاخرين ، وكان العراق ومايزال قربانا يذبحه اهله بالنيابة عن الآخرين

،
٤- حجم الاحقاد الهائل أخافني على مستقبل العراق ، اخافني فعلا، فكيف نحقق شعار ( نريد وطن ) بهذا الحجم من الاحقاد؟ الذين يربدون الوطن يستشهدون ويعتصمون منذ أكثر من ٩٠ يوما؟ ماذا نقول لهم؟ هل تقولون لهم ان احقادنا وغلنا وضغائننا وشماتاتنا وشتائمنا وسبابنا وتخويناتنا وتحريضاتنا على انفسنا هي التي ستعطيكم الوطن؟
ام نقول لهم، انتم تستشهدون ونحن نمزق الوطن فلا تحلموا، حتى وانتم غاطون في شهادتكم ، بوطن او حق

الكارثة ان النخبة ، على الاعم الاغلب، ذات مستوى متدن من الوعي والخطاب، وان الثقافة والادب والفن والشعر والمسرح والتشكيل وشهادة الدكتوراه تركض لاهثة وراء الرعونة السياسية ولا تنفع في الحد من هبوط وتساقط اللغة ، اما العقل فهو مغيب
نريد وطنا على مقياس احزابنا. فكل حزب يريد الوطن له وحده ليحرم الاخرين من العيش فيه والتعايش معه. كل يريد وطنا حسب وجهة نظره واحقاده وعصبيته وتدهور حالته العقلية، رقعة يقف عليها ليهتف، يسقط ، يا ، يسقط ، يا ،، يعيش ، يا ، يعيش، يا
او يصرخ الى الجحيم ايها الآخرون مع صراخات الاحقاد والشتائم البذيئة التي تطال الام والاب اضافة الى طلب تحليل DNA وهو طلب ( حضاري) جديد يأتي ممن تختلف معه في الرأي

٥- ماهذا الشغف بإلغاء التاريخ ؟ انه شغف عاطفي وايديولوجي معاند، لماذا لانعترف للآخر بتاريخه؟ يضع احدهم مقولة فولتير ويبدي استعداده للموت من اجل الدفاع عن الرأي الآخر ولكنه تحت هذه المقولة يقاتل ضد الرأي الآخر ويبدي استعداده، لا للموت من اجل احترام الرأي الآخر ، وانما لقتله .
حين اقتحمت داعش الموصل وتقدمت نحو كركوك وتكريت والانبار واخذت تهدد بغداد، كانت امكانية اقامة دولة على غرار دولة طالبان قريبة من التحقق ولو حصل ذلك كنا فقدنا حتى ساحة التحرير، وكانت لتهدم بحجة انها نصب ولقتل آلاف المدنيين والعلمانيين. والديمقراطيين في ( أحسن الأحوال) وكان أن بيعت بناتهم ونساؤهم كما حدث في رقعة ( الدولة الاسلامية في العراق والشام ) ، اما مجازر تصفية الشيعة والاكراد فقد كان يمكن ان تكون فاقت العصر البربري، تلك حقائق دفعت وتدفع الالاف لطلب( محاكمة من كان مسؤولا عن سقوط ثلث مساحة العراق)كما يطالبون، أليس هذا ما حدث وتعرفونه ؟ ، فمن الذي استعاد هذا الثلث للعراق لنهتف من جديد: انا عراقي
كنت في بغداد يوم سقطت الموصل، وكنت اتردد على مطعم قريب حيث اسكن في الكرادة ، وكنت قبل ذلك اليوم انتظر بضعة دقائق حتى احصل على مكان بسبب تردد المواطنين وعوائلهم على المطعم، وفي مساء العاشر من حزيران، اليوم الذي سقطت فيه الموصل مشيت من مكان سكني الى المطعم، كانت الشوارع خالية . ولما دخلت المطعم قام صاحب المطعم لأستقبالي مرحبا قائلا ، دكتور انت الزائر الوحيد هذا اليوم ، الناس خائفون وفضلوا البقاء في بيوتهم، فداعش في جرف الصخر وقريبا من ابو غريب، وربما تسقط بغداد
منذ دخول داعش الى الموصل وتكريت والانبار حتى تطهير هذه المدن واستعادتها الى العراق الاتحادي كان الحشد الشعبي جزء من تاريخ العراق المعاصر .

٦- احقر اهانة يتلقاها العراقيون من انفسهم هي حين يطلق عراقيون على انفسهم كلمة ذيل وهم لايشعرون كيف يمكن ان تهين ابن وطنك وجلدك وارضك وتاريخك باعتباره ذيلا، هذه المفردة القذرة التي سربتها اجهزة مخابراتية اجنبية ليتنابز بها العراقيون ، كي يطلقها العراقيون بعضهم على بعض . هل يعقل هذا؟ هل نرضى ان نتحول الى حيوانات بذيول قصيرة او طويلة؟،
هكذا يتم السخرية من العراق نفسه ومن جميع الاطراف ، لقد حول هؤلاء العراقيون عراقهم الى مسخرة واستهزاء ونكات بحيث لم يبق للعراق في نفوس ابنائه هيبة ولا لإسمه قيمة، ولا لثقافته وحضارته معنى
حتى لم يعد لوجود الانسان فيه معنى

٧- اشعر بالعار ان ( بيتي) العراقي، وهو صفحتي بالفيس بوك يشهد كل هذه الاحقاد وهذه الالفاظ المخزية، وهذه الشماتة وهذا التشفي، وادير وجهي كي لا ارى العراقي يمضغ لحم العراقي ويتلذذ به ويتشفى ، نعم صفحتي هي بيتي، كما صفحة كل واحد اخر هي بيته، ومن حقي ان اطالب الذين يأكلون لحم اخيهم العراقي ويشتمه ويهينه ويعتدي على كرامته بالاعتذار لي، لان هذا يحدث في بيتي وعلى مسامعي ، واطلب من الجميع احترام الاختلاف او عدم القبول بالاختلاف ولكن بلغة مقبولة ، مثل لغة ملحمة گلگامش حيث تتحدث عن الوحش خمبابا بينما گلگامش وانكيدو ذاهبان لقتله، لقد هجرت الاطلاع على صفحتي لايام عديدة لان لغة كثير من اعضاء ( بيتي) تجاوزوا علي وعلى اخلاقي حين يشتمون بعضهم بعضا وينشرون بوستات اقل ما توصيف لها انها عديمة الاخلاق ناهيك عن كونها عديمة الذوق وعديمة الفائدة الوطنية ، لقد اختصرت الوطنية بذيل اوجوكر او حذاء او مندس او عميل او ابن زنى يطالبونه ان يفحص جيناته
لقد اطلقوا علينا نحن العراقيين سفهاءنا وحمقانا وجهّالنا وأغبياءنا وقتلتنا ولصوصنا وزودوهم بقاموس التخلف والانحطاط والبذاءات حتى لم يعد لعاقل او مثقف او موضوعي او عقلاني او وطني مكان او لم تعد له قدرة ان يحمي نفسه من هذه البذاءات بمجرد ان يفتح فمه من اجل بلاده

٨- لا اطيق الحقد ولا الغل ولا التشفي ولا الضغينة فطالما كنت ضحيتها حين يشهرها الاخرون بوجهي او وراء ظهري . بعد اعدام صدام بيومين ا ثلاثة اجرت معي جريدة ( THE SUNDAY TIMES) مقابلة طويلة باعتباري كنت معارضا لصدام ومطاردا من نظامه ، بادرتني الصحفية بسؤال استفزازي: هل تشعر بانك انتقمت من صدام؟ اجبت على الفور: لا ، انا لا احب الانتقام ، لقد ارتكب صدام كثيرا من الجرائم ضد شعبي ، ومن الضروري ان تتحقق العدالة في بلدي

٩- لا اريد ان العب دور الأب ياناروس في رواية( الأخوة الأعداء) لنيكوس كازانتزاكي عن الحرب الاهلية في اليونان. انه يصرخ من اجل اليونان وهو يقف بين الطرفين اليونانيين المتقاتلين: يا اخوتي
لكن الطلقات تصرعه من الطرفين

ومع هذا فأنا مضطر ان اصيح من اجل العراق: يا اخوتي

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *