السوشيال ميديا وثقافة التغريب لا التعريب

latifa_aldlimy

السوشيال ميديا وثقافة التغريب لا التعريب

غادة قويدر

يمكن اعتبار ظهور شبكات التواصل الاجتماعي ظاهرة مجتمعية حتمية كونها دخلت في ثقافتنا اليومية وبيوتنا وأسرنا وأصبحت عقولنا محط تعاطي واسع النطاق مع هذه الوسائل الإعلامية الواسعة الدلالة بمعناها اللغوي وتأثيرها المعنوي على كل فئات لمجتمع العامة ، والتي منحت لمستخدميها فرصة كبيرة من التأثر والتأثير في التركيبة النفسية للفرد من كل الفئات العمرية في مجمعاتنا ولتكون ومن ضمن تباين شمولي واسع المدى في التفاعل والتأثير نظرا لاعتناق مجتمعاتنا ثقافة الرغبة في التجريب أو التقليد أو التباهي ،حيث أصبح للتواصل دور مهم حيث أنه قرب البعيد ووافق الميول وحقق الرغبات فهل
يا ترى له توافق طبيعي مع ثقافتنا وقيمنا وعقائدنا والمثل التي يعمل
كل منا على الحفاظ عليها وحمايتها من أي دسٍّ أو سلبْ أو انتهاك بطريقة مباشرة أو غير مباشرة ؟
سؤال يوقعنا في فخّ الشك غير المطلق بأن هذا لغزو اللامحدود لبيوتنا العربية وخاصة مع انتشار الهواتف الذكية وشبكات الانترنت وسهولة اقتنائه أو الحصول عليها مجانا ،قد ساهم في قلب معادلة السيطرة الأسرية إلى هاوية الاستغلال النفسي والخلقي وتغيير جوهر التربية العربية التي عهدناها في جيلنا القديم والذي أبدعَ وأعطى الكثير للبشرية في مجالات شتى .
وبدون شك فالانترنت قلب الموازين في التعاطي مع القضايا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية فهل أمتنا العربية على وجه الخصوص الإسلامية منها والتي حققت هذا الركل الهائل من الثقافات الدينية والأخلاقية والعلمية عبر العصور هل وقعت في فخ التقهقر والتراجع ؟ومع هذا الانفتاح المباشر على ثقافات شتى هل أصبحنا أمام استخدام سلبي لهذه الشبكات ؟
أسئلة تطرق أبوابا شتى وخاصة في ظل انتشار الاقتصار على استخدام الشاشة بدل المواجهة الشخصية والانهماك في تحقيق الرغبة والذات عن طريق نشر الظل بدل الشخصية الحقيقية . وهل دائما الظل يمنح الطرف لآخر معرفة حقيقة الشخص ؟وضمن آليات التواصل الاجتماعي الكثيرة والفتح الثوري الذي نقل الإعلام إلى أفاق كبيرة وفرصا للانتقال للامحدود بلا قيود أو رقابة يقلب جوهر الحياة التي ننشدها نحن العرب المسلمون . فنحن العرب المسلمين اليوم في أمسّ الحاجة إلى توحيد الصف والكلمة والاستفادة من الثورة الإعلامية عبر الانترنت لدرء الشرخ الذي يتصدع به مجتمعنا الإسلامي عبر التسويق من ضعاف النفوس والليبراليين والغلاة ودعاة السطو على ارث الأمة لبث التفرقة والطائفية القذرة والتي بات دعاتها أكثر مما نتصور على صفحات التواصل الاجتماعي وباتت سلاحا خفيا يستخدمه هؤلاء ضد وحدتنا وتعاليم ديننا والمجاهرة بلصق التهم من هنا ومن هناك به ليغدو شماعة تعلق عليها أمراض الكثيرين من أبناء جلدتنا وجَلْدنا في وضح النهار وجهارا ومن خلال استخدام فلذات أكبادنا لتنفيذ مخطط بث السموم داخل شريان الأمة الواحدة ولصق تهمة الإرهاب بنا عنوة ، والفائدة لا تصب إلا في مصلحة أعدائنا ، فأصبحنا نُقتل بأيدي عربية ومسلمة وما من حادثة تحدث في أقصى الغرب إلا وتُلصق بنا . وكأننا بالإسلام والمسلمين فزاعة ترعب وترهب البشرية .
وهل النضال السياسي عبر الانترنت يستطيع أن يستوعب المدلول التاريخي لما تعنيه كلمة ثورة ؟ فالثورة هي الاحتجاج ضد الفساد والظلم لتحقيق لعدالة الاجتماعية لا نشر الفساد ليستفحل شر الظلم وتقوى شوكة الظالم . وكأن حال أمتنا اليوم يردد شرور الحاكم القاتل والطاغي : ” سأقتل أحلامكم وأجعلكم تعيشون الكوابيس المحتمة ” ولسان حال الإنسان العربي بات يقول : ” اتركوا لنا نافذة ولو صغيرة نطل بها إلى النور ” ، فأصبحت شبكات التواصل سلاحا ذا حدين على الرغم من أنها لعبت دورا كبيرا في تعزيز دور الناشطين عبرها وتسهيل طرق التواصل فيما بينهم لكنها قاصرة أن تخلق ثورة حقيقية لأنهم منفتحون أمام الطرف الآخر الذي تحاربه ولأن الثورة عبر الانترنت هي تصويت وبث غضب ليس إلا لكلا لطرفين من مؤيد لهذه الثورات ومن معارض لها ، ناهيك عن لغة التواصل وقصورها عن بلوغ الهدف وافتقارها إلى منظومة الحوار البناء بين فئة معينة من الشباب العربي وحشد التكتل وتعزيز التعصب لفئة معينة ، وهذا ما يؤجج الكراهية بين أبناء الأمة الواحدة والعمل على فرض تيارات معادية عبر نشر القصائد الشعرية المعادية لطائفة ما والمقالات والصور التي تزيد من بث الكراهية والحقد والفتن .
فلشبكات التواصل الاجتماعي دور كبير في نشر الاحتجاجات لكنها لن تستطيع ردع الحكام ووقف الفساد والحد من الظلم ..
ولهذا فإن حركات الإصلاح والتغيير في عالمنا العربي والإسلامي مدعوة اليوم إلى الاستفادة من ثورة الإنترنت إلى أقصى الحدود، في مجالات التنظيم والإدارة والاتصال والإعلام والنضال السياسي وغير ذلك من جوانب الحياة، فهل نحن قادرين أن نستوعب المدلول التاريخي والسياسي والاجتماعي لثورة الإنترنت الحقيقية ؟ أم أننا في طريقنا إلى عزلة اجتماعية وقرصنة فكرية وإرهاب سياسي يقوده ساسة مستغلون لا تهمهم سوى مصلحتهم الخاصة يشتغلون تحت مظلة حكوماتهم التي تعزز دورهم بطرق شتى ضاربين بمصلحة الأمة عرض الحائط والأمثلة كثيرة والأسماء لا تحصى ، والكف عن نشر ثقافة التغريب والبعد عن قيمنا وتعاليم ديننا وعدم تفسير الدين على نحو يجاري أهواءنا وميولنا وتحقيق مآرب النفوس الأمارة بالسوء لتفتيت الكيان الواحد انطلاقا من الأسرة والمجتمع إلى الدولة والمؤسسات ، وخلق مناخ ثوري بناء بعيدا عن الاحتكار الفكري والتعصب الديني ، وتعزيز دور الرقابة الأسرية والمجتمعية لنحمي المؤسسة الوحيدة التي في كنفها يترعرع جيل المستقبل الواعد .

 

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *