البعد اللساني في تحليل النص الأدبي …. تحليل بيت شعري لابن عبدون

latifa_aldlimy

عبد الله الكرضة

الدّهرُ يَفجعُ بعد العينِ بالأثرِ *** فما البكاءُ على الأشباحِ والصّورِ/ (ابن عبدون)
تحليل البيت:
إن علاقة اللسانيات باللغة، هي علاقة بيولوجية علمية؛ فهي علاقة بيولوجية لأنه لا يمكن عزل والواحدة منهما عن الأخرى، وهي علاقة علمية لأن اللسانيات كعلم حديث جعل من اللغة موضوعا له، وعلى حسابه نمت اللسانيات وشمخت إلى أن استوت على سوقها.
والبيت الذي بين أيدينا قصد تحليله، هو بيت منظوم بلغة عربية فصيحة، تجسد مرحلة من مراحل كمالية اللغة العربية؛ جمالا وإجلالا، أما ابن عبدون صاحب البيت الشعري، فقد عبر بهذا البيت عن حالة نفسية خاصة به، سأحاول الكشف عنها بعد القيام بتحليل لساني للبيت، ثم لأحاول كذلك الكشف عن أهمية التحليل اللساني في إبراز دلالة الأعمال الأدبية. لنستنتج ما النتيجة التي يمكن الوصول إليها من خلال هذا التحليل ؟
إذا قمنا بجمع الحروف المتكررة أكثر من غيرها في البيت، في كلمة واحدة، سنجد أنها تكون فعلا مضارعا شديدا، يدل على الفجاعة، وقوة الأثر، والوقع. وهو:” فَيُعَرْبِدُ ومعناه في المعجم :” فيسوء خلقه مع الناس” (المعجم الوسيط). وكأن ابن عبدون يستعير من السكران عربدته ويحملها على الدهر. الذي لا يُقَدِرُ الناس ويعمل على تفجيعهم؛ بعزلهم عن أحبتهم وإبعادهم عن بعضهم البعض، وهنا يتساءل الشاعر إذا كان الدهر عربيدا لا يعي ما يفعله بمشاعر الناس، فلماذا البكاء والحزن اللذان لا معنى لهما أمام حقيقة فاجعة الدهر.
إن الكلمات التالية الواردة في البيت (الدهر، العين، الاثر، البكاء، الاشباح، الصور) وردت كلها تدل على المصدر + مورفيم التعريف (أل) أو ما يسمى عند بعض اللسانيين الوظيفيين ” بالمحدد”؛ حيث جاء استعماله في البيت دالا على أن ما يقوله الشاعر ليس بمشكوك فيه (بالنسبة إليه)، وأن من وظائف الدهر إفجاع الناس وزعزعة استقرارهم الذي يطمحون إليه. لذلك تجد الشطر الأول من البيت قد تألف من أربعة عشر مورفيما، كالتالي: ( ال + دهر+ ــُــ + يـ + فجع + ــُــ + بعد+ال+ عين + بـ + ال + أثر+ ــِ ).في مقابل الشطر الثاني المكون كذلك من أربعة عشر مورفيما: (ف + ما + ال + بكاء + ــُــ + ال + على + أشباح + ــِـ + و+ ال + صور + ــِـ) فيكون مجموع المورفيمات المكونة للبيت هو ثمانية وعشرين مورفيما موزعا بين مورفيمات معجمية و أخرى نحوية، ومورفيمات مقيدة وأخرى مطلقة.
أما بلاغيا فإن البيت يتألف من جملتين:
الأولى: خبرية، هي : # الدهر يفجع بعد العين بالأثر# . وهي جملة اسمية يتصدرها اسم “الدهر” أي المسند إليه حيث خبره هو المسند (يفجع بعد العين بالأثر) وبناء على قول سيبويه رحمه الله “: وإنهم (العرب) ليقدمون الذي هم به أعنى” فإن ابن عبدون قد ابتدأ باسم الدهر عوضا عن الخبر (جملة فعلية) لأنه يريد الإخبار عن الدهر والتنبيه إلى خطورته ثم إن محور القول وموضوعه هو الدهر لا غيره.
والجملة الثانية فإنشائية، وهي: # فما البكاء على الأشباح والصور # !؟ حيث يتعجب الشاعر في صيغة استفهامية من أمر الباكين على آثار مفقوديهم، وهي جملة لا تحتمل الصدق والكذب، على عكس الجملة الأولى التي تحتمل الصدق والكذب؛ لأنها قابلة للتفنيذ، بحجة قول الله تعالى في الحديث القدسي : لا تسبوا الدهر فإني أنا الدهر” (أو كما جاء في الروايات)، وفي نسبة صفة التفجيع للدهر نسبتها لله تعالى؛ من تم تكون الجملة خبرية غير مطلقة التصديق؛ ولذلك يبدو أن الشاعر صدَّر كلامه بالمبتدأ (الدهر) ليعقبه بخبر (يفجع…إلخ) ليؤكد أن هذا هو موقفه من سنة الحياة. وهو مقتنع به رغم علمه التام أن هناك من يخالفه الرأي، وعلما منه كذلك بالخاصة الجمالية للشعر الجيد القائلة : ” إن أعذب الشعر أكذبه “.
بناء على ما تقدم من محاولة تحليل البيت الشعري يمكننا القول: إن دلالته لا تستقيم أو لم تستقم إلا بعد انتقال الشاعر بشكل واع أو غير واع من حضور الفكرة في ذهنه، إلى التعبير عنها في قالب لغوي شعري، وللانتقال من المستوى الاول إلى المستوى الثاني، وجب عليه المرور بمراحل تتمثل فيما بين البنية العميقة إلى البنية السطحية (حسب شومسكي)، إلا أن هذا الانتقال يوجب بدوره المرور بمستويات هي: المستوى الصوتي الخاص بالحروف، والمستوى الصرفي الخاص بالكلمات، ثم المستوى التركيبي الخاص بالجمل، اما المستوى الدلالي فيمكن الوصول إليه انطلاقا من تحليل هذه المستويات والكشف عن بعدها الوظيفي في العمل الأدبي.
لذلك يفهم من البيت الشعري بعد هذا التحليل، أنه جاء معبرا عن بعد نظر وحكمة ناتجة عن تبصر، وتأمل في حقيقة الحياة وسنتها، بالإضافة إلى دلالته على أن الشاعر متأثر بنائبات الدهر و تقلباته. كما يتبين أن التحليل اللساني، له من الأهمية في الكشف عن دلالة النصوص الأدبية، والدور الكبير في تحقيق نسبة مهمة من الفهم، والمعرفة بمقصدية الأديب في بعض إبداعه وكتاباته.

ملحقات

الملحق رقم 1 : الحروف المتكررة في البيت وصفاتها الصوتية.
الحرف
العين
الدال
الراء
الباء
الفاء
الياء
فَيُعَرْبِدُ
عدد مرات تكراره
4
2
3
4
2
2
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صفاته الصوتية
حلقي احتكاكي مجهور
أسناني لثوي انفجاري مجهور
لثوي مكرر مجهور
شفوي انفجاري مجهور
أسناني شفوي احتكاكي مجهور
انزلاقي مجهور حنكي

ملاحظة : كل الحروف جاءت مجهورة تدل على قوة اللفظ وقوة دلالته على الفاجعة.
الملحق رقم 2 :
الكلمات المعرفة في البيت : الدهر، العين ، الأثر، البكاء، الأشباح، الصور.
عدد الأفعال : يفجع = فعل مضارع يدل على الاستمرارية.
عدد الجمل : ـ جملة خبرية ثم جملة إنشائية.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *