الانتماءُ لتشرين أولى

latifa_aldlimy

يعقوب

في رِحابِ الذين وثَبوا
ودونَ ندمٍ قاموا عَلانِية،
أُهدي لهم، والعناق.
:::
لأيِّ انتماء، سيفهمُ لغتي
ويُدرِكُ مِحنَتي، سأميلُ،
وكلُّ انتماءٍ لغيرِهم مُبهَمُ
لا يفهم لماذا الصراخُ
يظلُّ وديعَ الزجاج،
كأنَّ دمَهُ لا يضُجُّ
ولا يلهَثُ بالمُضيِّ،
ولا يأخُذني كلَّ لحظةٍ لمعتوهِ السؤال
ولساحةٍ تضجُّ بالمُعدَمين،
وللبكاءِ وحيداً؟.
أودُّ لو يلتجئُ بيَّ،
رفيقُ أنّةٍ
وأغلِقُ، على من يتمزقُ مثلي،
حَراكَ يدي،
لا اسأله عن اسمِه
ولا عن كِنيته،
سوى أن نعتَلي بوجهَينا حَلَبةَ الخُطى
وحين نسقطُ معاً
نموتُ بلا انحناء.
هو الانتماءُ
أن أترُكَ للبحرِ عُنوانَ دمي
ويومَ أفقأ عينيَّ
سأجِدُ لغةً تُفهَم،
لماذا اصطِفافيَ وحيدا..
وعلى طريقةِ العمي المهووسين بالضوء،
تتحدثُ من أجلي..
وتفكِّرُ من أجلي،
وتنطفئُ كلَّما مسَّني سخامُ الرصاص، شهيداً،
وفي الخَفاء تتلمَّسُ مفاتيحَ الكَلِمات السرية؟.
للُّغةِ تتحسَّسُ عُروقَ قُصاصاتِ الورقِ الشفاف
التي سنمضغُها قبلَ مجيء الشرطييِّن
وتنزَعُ عني حُنجُرةً
صَدأت من سُعالِ الأماني.
تلك لغةُ الانتماءِ الجديد
أن تكونَ لأصابعِنا..
لعيونِنا..
لهاجِسِنا،
لغةٌ طيبةٌ لا يستطيعُ سَماعَها
إلا من امتَهَن الحلم.
لغةٌ تجعل المَرءَ الشَغوفَ ينزلِقُ فوقَ رملٍ ناعم
وبكاء.
” ذاك الذي يتكلمُ لا يعرف،
وذاك الذي يعرفُ لا يتكلم “،
ولنصفٍ آخر
حين يستحوِذُ عليه جُنونُ الذاكرةِ
ولا يفكرُ بضغطِ الزنادِ
يموتُ سريعاً .
ليستِ القضيةُ وجهَ الشيءِ أو قفاه،
كلُّ العَرَصاتِ المُتَّسِخاتِ بالدُخان
بقيةُ مدينةٍ مُصادَرَةٍ
ستبقى حتى قِيام الساعة.
أيُّ انتماء،
في تِيهِ الأمكِنةِ
لم يتداركْ في هروبِه، زحمةَ الروائح
والأصواتَ والصدأ
ورائحةَ الخبازِ الذابل،
وخاثِرَ اللبن المُتعَفِّن،
ولا يتنشَّقَُ غيرَ
روائحِ الصوفِ والوبرِ
والأرديةِ المُدَمّاة، وعَطنِ الرطوبة؟
وجوهُ نِسوةٍ وصبايا،
كوجوهِ بطاريق،
يقأقئن للرجالِ بحروفٍ مُبهَمة،
وبالنظرات العجفاوات المِلحية،
يكتظُ بأجسادِهنَّ تلاطُمُ بحرِ الأمهات
ومنغرسات في الوجدِ حدَّ النُخاع،
لكن كما الكَراجات التي تذهبُ ولا تجيء.
الليلُ المُدجَّج..
الليل المنكمِشُ على سطوحِ المياهِ الزُمرُّدية..
والدهلة الدموية ..
والنَّبَرات المليئةِ بالرَثاء
والجمرات المخبوءة بالرثاء،
وبلفائفِ الضمير.
الليلُ ذاك، لا يوصَفُ بالكلمات،
ليلٌ أخرس.
هل تدركُ لماذا الأبكمُ والأصمُّ
لا يفهم سوى لغةِ الحقوق..
ومن بِوسعِه أن يقولَ كلَّ شيء
جملة وهتاف،
وأن قُوَّتَه الوحيدة، كلُّ شيء..
ودفاعَه الوحيد، كل شيء
وكبرياءَه الأخير،
أن يعينَكَ لدى الخروج
بثمة خفقةٍ لا تموت
وإن تجاوَزَته لَدغَةٌ، كل شيء،
لن يموتَ دون شيء.
رواية لم يحفَلْ بها أحد
سوى أبطالها الضحايا،
وبشرٌ سيجيئون من عصرِ الضوءِ القادم،
حين يُطالِعونَها سيندهشون كالبُلَهاء،
وربما سيقولون :” لمـــاذا؟!”
ثم يقِفون أعواماً، حِداداً.
::
ذاك الانتماء،
سنحفَلُ وأياه،
ساعةَ موعدِ إقفالِ الحياة السلمية..
ساعةَ لا شيءَ سوى الكلاب الضالّة
والِقططِ الهزيلة والبيوتِ الخانسة،
ورجعِ ريحٍ ساخنة تعبَثُ بقِطعانِ النفايات المتطايرة.
وثمةَ مصابيحٌ زُرقٌ في البعيدِ المعتم،
تضيءُ ولا تضيء،
وألفُ ألف ثانيةٍ للصُراخِ الجليل،
بأهميةِ الانتماء
لمن لا يحفَلُ به
سوى المقاومين..
ذوي الأكتافِ العارية
والكلمات الشهيدة.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *