إيّـاكِ أنتظرُ..

latifa_aldlimy

جلال زنكابادي

” سينهال ُرصاصُ لايُحصى على رؤوس السّابلة غير العابئين؛
حتى يتصدّوا بالدفاع عن أنفسهم،
حتى يبدأوا بالتساؤل”
الشاعرة اليونانية مارينا
(1967-1968)
أفيروف- سجن النساء
(سلّمة 1)
منْ ذا ينتظرهُ حتى الإنتظارُ
إبّان خرائط تبصقُ في وجه شعبي منذ دهور؟ حيثما
أنكّس أعيادي ليس لي
سوى بوحي:
– أوَلَمْ تنتهِ المقابرُ المسروقةُ من المغولِ والتتار؟
فهما تستشهدْ أسئلتي أنا المشفوعُ بالبحرِ
أختبيء في الصّخبِ آنئذٍ سيكتسي
بالحروبِ حتى نخاعي ! فأتوزّع
أختاماً تدوّن الغيابَ واللهَ..
إنّما لمْ أهربْ شطرَ السّمواتِ،
منْ غرفةٍ لا تؤويني لأخرى ..
لأخرى ولأخرى ليس من الوداعِ بحتُ:
– ما عدتُ أيّما واجهةٍ
قُدُماً كلّ زنزانةٍ مويجةٌ؛
إذ الحلمُ بكوى الشعوبٍ يغويني
مفعماً أفتّـشُ عن امرأةٍ نادرةٍ
نهدُها الوصولُ يوقظُ دمي، هنالك ابنةُ الكرمٍ
أيّتها المعشوقةُ قاطبةً،
أعوامي العشرون نصلٌ
شاسعٌ يلاحقُ تفّـاحاتِكِ، هنيهةً ولو
أديري تاريخَكِ، أين أعتابُكِ؟
واذكري أن الأهلّةَ بالأسرارِ تُضاءُ.. إذْ لمْ أرتوِ من النّـار؛ مادامت ِعيناكِ تسلبانِ قدميَّ فأترك الشوارعَ منقوشاً في كلّ حركة، حيثُ جئتكِ مهجوراً، لكَمْ تكتظُّ نظراتُكِ بالأطفالِ بالسّلمِ بالرقصِ بالخبزِ بالهجرةِ بالإنعتاقِ وبخرائط لمْ تتمْ! حتى ألتقطِ أصابعكِ، أشلائي، حروبكِ، لا تصويت القطيعِ! فأيّ عروسٍ أنتِ؟!
فلْتنفضي عنّيّ كلّ منافيّ؛
أثمّة للعشق مواسم أعنف وأبهى؟! لا
حضن هنا ولا هناك؛ كيفما تقفر عيناكِ
هذا كلّ ما أعرفه عنكِ الآن و مستقبلاً:
إنني أنتظرُ فوق و ماوراء الإنتظارِ في عروجي الدّامي صوب الإنعتاقِ/ بحرٌ هو المسيرُ لأطفالٍ لمْ تحنْ مواكبُهم بعدُ؛
أما من حضنٍ تحرّريهِ أما أيّتها الآهلة
مارينا
مارينا
مارينا!
(سلّمة2)
ريثما
أعانق أسفارَ الله ؛
فتغادر الذئابُ دمي، حيثما
أقتحمُ جسدي في منافيه
نفيراً يغمر الخرائط المقبلة مازلت
أشرعُ على أهبة العشق ،
أشحذُ الصمتَ جلجلةً
لأعد أدراجي إلى الغد،
إذْ أنت صراطي ( يا له من منأى!) حيث لا
أٌقهر
ثم يا لها من قسوة!
لقد عيل الماءٌ دوننا وصبره
ضيّقةٌ حتى الأحلام! ما أقسى حيث لا
تعودين مواسم مترامية المروج
ثمة إطلالةٌ / إيماءةٌ حتى الأنهارُ تروّينها أنت بينما
أتنفّس شموسك ، تستدعيني عيناك الضاريتان؛ إذَنْ
إليك كتفي فأنا أيضاً أحرث بقعةً بقعةً/ لم أغف ولو لحظة؛ فماذا عساي أن أبذر إلاّكِ؟!
منْ قرنٍ آخر أنا؛ فكيف لا تجيدين حرب العصابات يا منْ
تفشين لأيّ سفير يعتريكِ كلّ مستقبلي؟
لمْ أزلْ يداً تغيب في الجبّ ما من شيء تعشق إلاّ
أنْ تعود، أنْ تنبض بالأكواخ، أنْ
توميء بنفاد الموت / بكِ / بوردةِ؛ كلّما
تتفتّحْ يدك العذراءُ وردةً
تزهو بأرخبيل أطفالٍ بمواعيد
للقرى النائية النائية النائية…..
فعلى مهل جرّدتني الأسماءُ
من زريبة حيثما الفقراءُ المعابرُ،
إذ التاريخ همو وأنا المرصود ما أوسعني! في
كلّ خطوة/ كلّ منفى يبعثني صوب منفى
وملكوتي صبوة ترجّ الساسةَ
مادمت أسرجت القفار، الخطى في (السرّ) أستظلّ
بكفّ الله/ من قمامة
لأخرى بالسفار كما بهبوط وجهك
من رُبى المستقبل وأسماله، حيث
أقاتل في جراحي المترامية العصور بحضرة الآتين:
” ثغراً وأظافر” وأنتِ نقّالة الإسعاف
أيُهذي: دمي الذي يغمرُ القارات يشكّل الخرائط الجديدة
عبرها أغنيتي مقطورة فاصعدي
ذات يوم عيناك
ثغران يهرّبان مزاميري/ خارطتئذٍ إستعمرني العشق
أينما تغيرين فخاصرتي تترابط فتياناً
يتبرّؤون من الوطن التابوتِ!
فلأترك للفقراء الفاتحين رأسي بأسره
فصولاً ومتاريس مشاعة؛
من أجلكِ/ من أجل أن نضفر ذرّيّة أخرى ننثرها
من جديد؛ لا أجفّ
أهبكِ
أكثر…أكثر…أكثر
مارينا
مارينا
مارينا
(سلّمة3)
طوال مستنقعِ من السّلاطينِ أما
كفاني الصفع / أُديرُ الخدّ تلو الخدّ؟ أدبُّ
أقدامي تشمّ الأرض والملوك المنقوشين في جسدي دونما بدء دونما
منتهى/ يغمرُ وجهك الأنبياء،
أكنز الطوفان الطوفان الطوفان/ يستعبدني
زمنك/ مسراي ، مزاري ومعادي…أستجيرُ بالأتون
أقرعُ أسوار العشق الزنديق/ يقرعُ أنحائي
أوّاهِ عشقت لغتك قروناً هيهات
أتناثرُ
أين أنقاض الريحِ؟ منْ
يمنحني ولو تابوتاً وطناً؟ حتى
أستحيلَ في حلمي حانةً
لكلّ الشعوب/ تستأنف العناق، ترفع
نخبكِ:
مارينا
مارينا
مارينا
(سلّمة4)
إذنْ
ينبغي أن تتقدّمي ولو
انني صرت هضبة من جماجم لأبرهن
على غنائي:
” أيّ سفير للمستقبل
ههنا أكون
مابين قرنٍ وآخر
يؤرجحني صوتك الموشوم بأليل الليالي
فلْتريقيه
أريقيه
أريقيه
حقّاً جسدك يهبني جبروت الزمكان
مارينا
مارينا
مارينا”
(سلّمة5)
في قارّةٍ تغلقُ الوجوهَ طالما
اغتصبَ البعضُ أسماءً
من قبيل العصمةِ ، أوقفني
أحد الأطفال يكاشفني:
– يكفهرّ الزمنُ
حتى مَ تحكمنا الأسماءُ الماضيةُ حتى مَ
نتمرّغُ في تضاريس الموتِ؟”
إنحدرتُ
أرسمُ علامتك في الأطفال المنتحرين وطاف
جسدي المسكون بالمقبلين ممتشقاً روح الشعوبِ
أنّى اختلجت يداي
بالأقواس ومليون كومونةٍ عبر عروقي المقبلة راحت
تتجلّى لسيول حقيقتك:
مارينا
مارينا
مارينا
(سلّمة6)
ههنا
لمّا يزلْ وجهك
أفقاً يستيقظُ فيه جسدي المشرقُ/ لَـكَمْ
تضيئني نظراتك أنا الفتى المعزول
وسط المريبين أتلمّس ياقتي المدعوكة/ إنهم
يسفكون دمي؛
حيثما اللون في عرفهم وباء، دمي
نذيرٌ وأنتِ
ألستِ الوردةَ المحذورةَ حيثما يقامرُ
أشباه السادة/ الرقيق في
مرجل السياسة تحتَ تحتِ التحتِ؟
لا جرم أن أكون البذار
وأنتِ لئن بي الأبديّة طفتِ
آتيةٌ
لا ريب لغتُـكِ مجهرةً:
مارينا
مارينا
مارينا
(سلّمة7)
هو ذا أنا منْ
أجلك سأطوي
تاريخي/ أفقدُ أسواري
هو ذا وقت العواصف ؛ يحررني الإنجذابُ
(ج) آخر لا يُحَدُّ
يقتات خبز الصّمتِ
مدجناً بكلّ ما في الجوع والغضبِ يتداول:
” هبْ انك لم تكن البـتّـة أيّها الرقم 104304″ أنّى
خطِراً ينسلّ قبل السائرين
قُدُماً /عظامه المنشقّة عن الموتِ
تناهضُ الأحياء/ القبور، إنّما
موصدةٌ هي المركبُ/ السماءُ/ التخومُ/ الأحصنةُ/
والقصائد
مازالت موصدةً ، لكنما وقت العواصف
قد تراءى/ الترابُ الأحمرُ
يغمرُ أصقاعَ مستقبلي وأنا
ألتفتُ لتواريخ
لا تُحصى، أحدّقُ بالراجلين
أمثالي، أنداحُ
في الحرائق الشاسعة في الأرض ترتجُّ
هوذا الوقت
وقتي أنا القادم
من المستقبل
ذاك الراجل
(من ألف ألف
من السنين
مضين إيّاكِ
إيّاكِ ينتظرُ
إيّاكِ)
والآن أنا الموسوم بكلّ الأسماء/ قدس الأقداس جسدي صاعقة تحترقُ
أنا السرّ الذي يضيء كلّ حدّ/ يخلعُ كلّ حدّ، بكلّ ما يتبعثر، يتجمهرُ
ما المسار سوى نحن/ ما المستقبل سوى من سلالته نحن(كلّ القارات) ههنا
جبهتنا تنهض، تعرى/ يباركها الفقراءُ
نفضّ بكارة (ما
يأتي من التخوم)
نعود( يداً لها
الأقفالُ تمتثلُ
والآجالُ حيثما
تجتاز الأعراقَ،
النقود ومن
الغياهب تنبلجُ
تحت/ فوق كلّ
سماءٍ مارينا
مارين
ماري…*
أيلول 1970 جلولاء
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* مجلة(مواقف) ع(17و18) أيلول- كانون أول 1971
عدد خاص بالشعر المعاصر العربي والعالمي.
وقد تلقّيت من الشاعر أدونيس بصددها هذه الرسالة المؤرخة في 30تشرين الأول1971:
” أخي جلال
أفرحني كثيراً أن أتلقى منك قصيدتك. هذه كلمة سريعة لأنقل إليك هذا الفرح،
أمّا رأيي فيها تفصيليّاً فأرجأته إلى وقت أستطيع فيه أن أكتب رسالة طويلة.
القصيدة سأنشرها في العدد المقبل،
لكن أرجو أن تسمح لي بأن أدخل عليها بعض التعديلات الطفيفة في طريقة الكتابة وفي صياغة بعض الجمل.
أرجو أن تنقل تحياتي إلى الأخ جليل القيسي والأخ فاضل وإلى الأصدقاء المبدعين الكثر.
أكرر فرحي بقصيدتك آملاً أن نبقى على اتصال.
(أدونيس)

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *