“أريد أن أصيرعزيز سليم”!

latifa_aldlimy

جلال زنكابادي

بطاقة تعريف:
*ولد الفنان عزيز سليم سنة (1917؟!) وتوفي في(5/1/2003) في أربيل-كردستان العراق.
* لم يستكمل أيّ تحصيل دراسي؛ بسبب ظروف حياته غير المؤاتية وانخراطه في النضال السياسي مبكراً، وتعرضه للإعتقال والسجن والمطاردة؛ إثر إنهيار جمهورية آذربايجان الديمقراطية، ثم بعد سقوط حكومة الدكتور مصدق، إذْ تخفّى في إيران وتشرّد في البلدان المجاورة وأوربا،ومن ثم لاذ بصفوف قوات ثورة أيلول1961 في كردستان العراق، حيث نشط في المجالين الطبي والثقافي، وقد إرتبط مذذاك مصيره بمصير حركة التحرر الكردية،حيث ارتبط بأواصر متينة مع العديد من أبرز وجوهها الثقافية والسياسية،لاسيما قادة الحزب الإشتراكي الكردستاني.
* عمل في صفوف حركة المعارضة الإيرانية التقدمية،على مدى عقود، وفي المجال الإعلامي خاصة،وكانت قصائده الثورية تذاع من محطاتها الإذاعية وخاصة (بيكي إيران).
* عمل مصوراً فوتوغرافياً بمدينة قلعة دزه في مطلع ستينات القرن العشرين.
* أقام العديد من المعارض الشخصية في مدن كردستان العراق، وخارج العراق، كما شارك في العديد من المعارض الجماعية في العراق وخارجه.أما معرضه الشخصي الأول فقد كان ببغداد على قاعة جمعية الفنانين العراقيين خلال(19-27 آيار1972)وآخر معرض شخصي أُقيم على قاعة ميديا بأربيل في29تموز 2002
*كان جوّاب آفاق، فقد سافر كثيراً إلى بلدان الشرق الأوسط وأوربا، منفذاً لمهمات سياسية سرية،كما أقام عدة معارض شخصية وشارك في العديد من المعارض الجماعية،وتناثرت العشرات من لوحاته في المتاحف الفنية وعند عشاق الفن.
* تزوج مرتين، الأولى في مطلع خمسينات القرن العشرين في إيران، والمرة الثانية في 1981 في كردستان العراق، وقد أنجب أربعة أولاد وأربع بنات من كلتا زوجتيه.وقد قضى أحد أولاده نحبه(وهو لمايزل طفلاً) في حادثة دهس سيارة وكان برافق أباه؛وقد عدها الفنان محاولة لإغتياله،ولا يُستبعد ذلك.ولقد لجأ مع عائلته الثانية إلى فنلنده في النصف الثاني من تسعينات القرن الماضي،ومازالت زوجته الثانية تقيم مع ولدين وثلاث بنات هناك.
*تلقى عناية ورعاية إستثنتائيتين من قبل رئيس حكومة إقليم كردستان العراق، ووزارة ثقافتها،عند عودته من فنلنده؛بعد ظهور أعراض مرض عضال عليه،حيث كان يتمنى أن يلفظ آخر أنفاسه في كردستان،وأن يوارى جثمانه بثراها،وقد تحققت أمنيته المنشودة.
*أهدى الفنان جميع لوحات معرضه الأخير وغيرها،وكانت بضع عشرات،أهداها إلى وزارة ثقافة اقليم كردستان العراق؛كنواة لمتحف وطني كردي للفنون التشكيلية،ولكن للأسف لم يتحقق حلمه لحد الآن،بل يُخشى ضياع أو تلف أو سرقة تراثه الفني المهدى إلى الوزارة المذكورة، والذي بات مصيره في حكم المجهول!
*كان الفنان شاعراً ينظم باللغات:الفارسية والآذرية والكردية،وقد جحزت السلطات القمعية العفلقية ديوانه المخطوط (أكثر من400صفحة فولسكاب)ذات مداهمة لمنزله في أواسط ثمانينات القرن الماضي.
*******
يقيناً إن ماعدا الحقيقة زائل لامحال، فلامناص من إستجلائها خدمة لها وللتاريخ؛ مهما كان الثمن باهظاً،لاسيما في التصدي لموضوع شائك وعويص مثل هذا الذي يستوجب حتماً نسف عدة مسلّمات زائفة،بحيث سينصدم الكثيرون من ثمّ طبعاً!وعليه فإن هذا المبحث يتوخى إضاءة كل ماهو معتم في سيرة هذا الفنان الكبير،والكشف عن الأواصر الجدلية بين سيرته الحقيقية وإبداعه رهن المعطى التاريخي،ناهيكم عن تشخيص بعض المؤشرات التي ربما لم يدركها الفنان نفسه!(1) لعلنا نحدد منعطفات مشواره الفني ونرتاد عالمه الفني الفسيح، متجنبين الترديد الببغائي لآرائه عن نفسه،وآراء الآخرين غيرالموضوعية عنه،وكذلك الأحكام التعسفية بحقه كإنسان وفنان..مع يقيننا الجازم أن هنالك الكثيرين ممن يحسب أحكامنا المستنتجة(المستقراة من الوثائق والشهادات واللوحات والرفقة الحميمة المديدة) إنتقاصاً لسيرته الذاتية والفنية،لاسيما مايتعلق بأصله وتاريخه السياسي وبداية مشواره الفني من إشكاليات ملغزة!…مثلما هنالك البعض ممن يستكثر مثل هذا المبحث على فناننا القدير! لكنما لابد من أن تعلو راية الحقيقة، وحسبنا القلة الواعية المدركة لأهمية قول الحق،الذي لاتنكصه لومة لائم.
سيظل إسم عزيز سليم(1917؟-2003) مقروناً بأسماء كبار فناني كردستان،وأعلامها الخالدين؛فقد إكتشف هذا الإنسان فن الرسم مبرّراً وشرطاً لوجوده،وراح يتواصل به مع الحياة بصميميّة نادرة،ويوظّفه في نشدانه للتغيير الثوري،كداعية للحرية والعدالة والديمقراطية والسلام،حيث جسّد فيه تفاؤله التاريخي بولائه للمستقبل المنشود،ومافتيء ناطقاً بليغاً بلسان حال المستضعفين،في مجمل كفاحه على الصّعد كافّة…وإن إلتزامه ليتجلّى في خطابه الإبداعي الخاص،في مشهد الفن التشكيلي الكردستاني،جنباً إلى جنب روّاده الأوائل قرابة أربعة عقود.
لكنّما الملفت لنظر الملم والمحيط بحيثيات النقد الفني هو أن معظم ماكتب عن أعمال هذا الفنان تسوده السذاجة،بل وتشوبه المغالطات والإطراءات الكلائشية والمجاملات المعتادة،وقد لايعدو قسط كبير منه لغواً لاطائل من ورائه،لاسيّما وأن أغلبه مجرّد إجترار لكلام الفنان عن نفسه(سيرته الذاتية والفنية والسياسية)على هواه؛ تملقاً وإبتغاء مرضاته، وتأجيجاً لتنور الإثارة الصحافية المبتغاة وملء الفراغات بمايناسبها ولايناسبها! وعليه لم نلمس حصراً أيّ تقييم فنّي موضوعي وجاد لإبداعه الفنّي ً،بينما ظل مدبّجو المقالات الفضفاضة والمتملّقون يسوّدون عنه الصفحات تلو الصفحات،التي تفتقر إلى الحد الأدنى من الثقافة الفنية والدراية النقدية،ناهيكم عن جرأة التصدّي للأحكام السوقية المألوفة والسائدة؛ولذا قلّما وجدنا شذرات نقدية ذات أهمّية ووزن عن فنه هنا وهناك!منذ إقامة معرضه الشخصي الأول خلال الفترة19-27آيار1972/في قاعة جمعية الفنانين العراقيين ببغداد(2)
لماذا أراد أن يصير عزيز سليم، وكيف؟!
” أريد أن أصير عزيز سليم”(3) هكذا عبر فناننا- ذو الخصوصية الإستثنائية في تاريخ الحركة التشكيلية الكردية-عن حلمه الأثير،في إحدى المقابلات الصحافية معه،ولاريب في ان حلمه الدفين الدائم هذا قد إنعتق من عقله الباطن لاشعورياً؛لكونه الوجه الآخر لحقيقته إنساناً ومناضلاً وفناناً،وهو المنفي من وطنه الأصلي،الذي ينتمي إاليه بطفولته وشبابه وردحاً من كهولته،بل بكل جذوره(4)بعد إضطراره إلى النزوح منه قسراً،ليتشرد هنا وهناك،ثم يستقر في كردستان العراق بشكل من الأشكال،وهنا برغم الإحتفاء المشهود به على الصعد الفنية والإجتماعية والسياسية،ظل يشعر في قرارة نفسه بالغبن والحيف والغربة والعزلة؛فطالما كان يبوح لي بشوقه الدفين إلى عائلته في إيران،وهو يشوفني صور زوجته وأولاده(5)وبعدما أيقن باستحالة عودته إلى بلاده الأم،ولم يعد له هنالك مستقبل على المدى المنظور؛إختار الإندماج في المجتمع الكردستاني بكل ما في وسعه،متوجاً مسعاه بالزواج من سيدة كردية،وذلك بعد أن هيمن رجال الدين على السلطة في إيران في مطلع ثمانينات القرن الماضي واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية..فغدا لزاماً عليه أن يكافح ويستميت؛ لإندماجه وتأكيد وجوده في المجتمع الجديد؛حتى أضطر إلى فبركة شجرة عائلة توصله إلى أحد(فرسان مريوان الأثني عشر)أما والدته فهي على حد زعمه إبنة أحد قادة الثورة الدستورية في آذربايجان! ولاشك في إنه كان معذوراً إلى هذا الحد؛مادام مقصده الحصول على الجنسية العراقية،وهو حقه المشروع كإنسان حتى بدون وجود تلك الشجرة والسيرة المفبركة(6)
وهكذا للأسف الشديد راح فناننا يتصور نفسه شخصية كاريزمية معصومة،ويتمادى في تدبيج الحكايات الخرافية،بحيث لايفوّت أية فرصة أو مناسبة إلاّ ويستغلها لإضفاء هالات السحر والقداسة والإعجاب على نفسه؛ففي حوار أجراه معه (م.مندلاوي) بجريدة (خبات/ع843/الجمعة26/9/1997) قال بأنه قد أنجز(6500 لوحة) في حين لم أر له عشر الرقم المذكور رغم تماسي الدائم معه قرابة ربع القرن! ولقد بلغ حد الإستبدادية القامعة لأيّ تساؤل مشروع حتى منّا نحن الأصدقاء المقربين إليه؛ممّا أوقعه غلوّ هراء تلفيقاته في حيص بيص تضارب أقواله،وأفقده بعض كياسته، وكاد أن ينحدر به إلى مهاوي التهريج،وهنا نقول لم يكن الذنب ذنبه وحده؛وإنما النفاق السائد في بيئتنا السياسية والثقافية،حيث حضه المنافقون والسذج على المضيّ في نسج أسطورته المستهواة،التي راحت تكبر ككرة الثلج المتدحرجة دون أن يوقفها أحد؛مادام ثمة المزيد المتزلفين والمرائين،بل المنافقين اللؤماء،الذين يتظاهرون بعكس مايضمرون في بواطنهم العفنة،ويتعامون إزاء الحقائق الجلية للعيان،ولاتهمهم عواقب الأضاليل الوخيمة.
جليّ أن الإخفاق إبداعياً وهبوط مستوى الإنتاج الفني غالباًما يدفعان الأدباء والفنانين إلى التلفيق والفبركة والنكوص إلى التهويل،لكن ماحدث لفناننا عزيز سليم هو شيء آخر؛فقد إبتغى التمتع بأبسط حق من حقوق الإنسان،ألا وهو نيل جنسية البلد،الذي أقام فيه عشرات السنين،وخدمه بكل طاقاته وقدراته،ومن هنا فإن الكشف عن أصله الحقيقي لايعني إفشاء سر خطير أو هتك حرمة قداسة ما،بل ولاينتقص البتة من مستوى شخصيته وفنه،وإنما يعلي شأنهما في رأينا؛فإذا كان عندنا فنان كردي يستحق تمثالاً من البرونز،فإن هذا الآذري الذي صار(عزيز سليم) الكردي يستحق تمثالاً من الذهب.
على كل حال،إستمات هذا الرجل الآذري النبيل حتى يستكرد،وقد إستكرد بفنه فعلاً إلى حد كبير،مكرساً إيّاه لخدمة قضية الأمةالكردية وقضيته الإنسانية كلتيهما؛بل وغدا أحد أبرز الناطقين البلغاء بلسان الأمة الكردية فنياً،وهنا تكمن فضيلته العظمى،ويوجد مايهمنا فعلاً،ألا وهو إنجازه الفني،وليست أقواله؛مادامت الأعمال هي الأدلة الأطول بقاءاً وخلوداً.
حين يكون الفنان راوياً ملحمياً:
للفنان عزيز سليم عالم رحيب يسع المزيد من عناصر البيئتين الطبيعية والبشرية،بحيث يلتقي المشاهد عشرات المخلوقات في هذه اللوحة أو تلك،بل ويصعب أحياناً عدها!وعندما تستضيفنا إحدى لوحاته إلى عالمها الإحتفالي المكتظ؛نشعر نشعر كما لو ان الدينونة واقعة!ولاغروَ في ذلك؛مادام الماضي السحيق والحاضر الموّار حاضرين جيّاشين بكل ثقليهما،بحيث تبدو اللوحة كأنها مسرحية فرجة إستعراضية،قد تشمل ضمنها مسرحيات أخرى،وطالما يبدو فيها فناننا مؤلفاً ومخرجاً وراوياً ومشاهداً في آن واحد!أجل؛فهو الخالق والشاهد والمشهود،حيثما يروي التاريخ كذاكرة،والمستقبل كحلم،معايشاً مخلوقاته في زمكاناتهم الخاصة،وسارداً بعفوية دراماهم بتكويناته المرئية،ومسقطاً عليها أحاسيسه وأفكاره وأخيلته؛بغية تجسيد الصراعات الحادة للأضداد:الفقر×الثراء/الفضيلة×الخطيئة/الحب×البغض/السلم×الحرب/الخير×الشر،ولاينفك مقتنصاً المزيد من المفارقات التراجيكوميدية.
إنه(قصّة خون) شرقي أصيل،مشبع بالروح الجماعية وناطق بلسانها،ذو نفس طويل ينتظم الأجيال والعصور بسروده الملحمية،ولئن تتغلغل جذوره الفلاحية في الثرى؛فإن علاقته بالأرض تكاد أن تكون حلولية،وأواصره حميمة جداً مع الحيوانات رفيقة الجنس البشري منذ غابر الأزمنة،ممّا تضفي هذه السمة من سماته كثافة درامية على الكثير من لوحاته،مانحة إيّاها بعداً ملحمياً جذاباً.وإستناداً إلى” ملكة الذاكرة الإرادية” وفقاً لعبارة جون بيرغر؛دأبت ريشته تستنفر ذاكرته ومخيلته المتوقدتين،لتستغورا تضاريس التاريخ والحاضر معاً،وتستولدا منهما رؤية ورؤيا متواشجتين،غالباًما تنطويان مع بانوراميتهما على تفاصيل دقيقة،بل ربما شبه مجهرية!ولأننا نحن الكرد مغتربون خارج التاريخ،ومابرح تاريخنا مستلباً؛فقد إنبرى (هوميروس)نا عزيز سليم يدوّنه ويرويه بخطوطه وألوانه،مسنوداً بمخياله الخلاق..ويبدو انه لو لم يصبح رساماً؛لغدا مؤرخاً،أو لأضحى رسام جداريات كبيرة؛لو حالفته ظروفه الذاتية والموضوعية.
إن ماسلف لايعني جزماً أن رسوم فناننا تخلو مما يتعلق بسيرته الذاتية(الحقيقية والمبتدعة) بغموضها وسحرها،والتي إحتمى بشرنقتها،وعبّر عن صراعاته النفسية المحتدمة عبرها،ناهيكم عن الدور المؤثر للاوعيه الذي تكوّن عبر سنيّ حياته،وطبعاً لايلغي هذا الدور إرادة الفنان وحريته؛وإنّما يتضافر معهما؛مادام متواصلاً بفنه مع ديمومة الحياة وصيرورتها بحميمية رغم الظروف القسرية من مطاردة واختفاء وتمويه وغربة وفاقة؛وعليه إنعكس التوق الجامح للتنقل والتجوال جلياً على تنوع رسومه وتفاصيلها الغزيرة،بل وعلى تطور وتحول أسلوبه من فترة إلى أخرى.وبناءاً على ماسبق؛غالباًما دمج فناننا نفسه بقصدية في العشرات من لوحاته،بل وأكثر،معايشاً سفر تكوينه المنبثق من أعماقه والمنعتق من عقاله،وراح وجهه يطالعنا هنا وهناك كشاهد يراقب حيوات مخلوقاته،التي إندس في صفوفها وصار واحداً منها متماهياً في سرد المشهد،متفرجاً عليها بروح ديمقراطية مع كونه خالقها.وهنا يتجلى نزوعه الواقعي الذي يشخص علائقه مع البيئة وسائر مخلوقاتها وعناصرها..وأغرب ما في الأمر هو ان حشود مخلوقاته تبدو غير محشورة حشراً قسرياً،وإنما تسرح وتمرح على هواها في رحابة فضاءات رسومه،تجيش في أوصالها الحياة،بعدما أطلقها فناننا من ذاكرته ومخيلته المكتظتين بالكبت والفجيعة والغربة،في حين نجد مخلوقات سواه أكثر الأحيان تنكمش انكماشاً وتتلخبط بصورة واضحة للعيان.
قراءة ميزانسينية(7):
رغم غلالة الغموض الملغز،التي تلف شخصية الفنان عزيز سليم،يتبدى فنه واضح الهوية،بل ويمكن تشخيص ملامح الفنان الحقيقية فيه!وقد آن الأوان للتوغل أكثر في إستجلاء سمات عالمه الفني.
عبر معاينة إستقرائية دقيقة لأكثر من مائة وخمسين لوحة لفناننا العصامي،الذي تمرّس عقوداً حتى إمتلك ناصية أسلوبه النازع دوماً إلى التطور والتحول؛إستخلصنا كون تكوينات مفردات رسومه غيرناجزة وغيرمتجمدة،ضمن فضاءاتها؛فهي متحركة في زمكاناتها بسيولة دائمية،وغالباًما تبدو مندلقة بحرية من إنفجار بؤري صوب خارج الأطر كأنها تنشد صيرورة الإكتمال في الواقع المعاش،حيث ليست الأطر حدوداً لعزل المضامين في فضاءات ضيقة،بل توحي للمشاهد بالتواصل مع الخارج وديمومته الزمكانية،بالعكس من الأشكال المغلقة والمعزولة،حيث تعزل الأطر المألوفة شيئاًما؛مسبغة عليه إهتماماً خاصاً،بحيث يكف زمكان اللوحة المعنية عن الإستمرارية خارجياً.ويعزى تمرد فناننا على مألوفية الأطر التقليدية إلى إدراكه لجدلية الوجود في ديمومته وصيرورته؛وبذلك يتحقق التواصل مع السياقات الخارجية،بحيث نتحسس مايشبه الإندفاع من بؤرة اللوحة إلى الخارج باطشاً بالإطار التقليدي،كما لو انه جدار زنزانة يحول دون الحرية والمستقبل.
ولئن عكست الزمكانات المتعددة جمالياً وسيكولوجياً،عبر تناظراتها،قلق الفنان وعدم إستقراره في مكان واحد؛فإننا لانلمس في رسومه زمناً ثابتاً،بل تداخلاً للأزمنة؛مهما تغيّر المناخ من لوحة لأخرى،ومع ذلك يبقى موقف فناننا راسخاً لايتغيّر في مضامينه.وهكذا فإن أطر لوحاته عموماً لاتحصر عوالم صغيرة بعناصرها الشكلية محسوبة التوازن،فتنتفي حرية الإختيار وتكافؤ الفرص،بل نجد كيف”توحي الأشكال المنفتحة من الناحية الفلسفية بحرية الإختيار وتعدد الفرص المفتوحة أمام الشخصيات.أما الأشكال المغلقة فيغلب على مضامينها حتمية المصير ولاجدوى الإرادة” على حد تشخيص لوي دي جانيتي في مجال اللقطة السينمائية،التي تشبهها اللوحة في الرسم.
مع كون أكثر لوحات فناننا تركيبية جامعة لأرضيات متعددة جغرافية وتاريخية وحضارية؛يبدو الفنان مهيمناً على توزيع عناصرها على مساحات فضاءاتها،محققاً الهارموني المنشود.وكذلك تتبدى قدرته على توليف عدة زمكانات تلتحم بشفافية زئبقية في وحدة عضوية منسجمة،وهنا تجتذبنا لقطاته البانورامية ذات السمات الدرامية والملحمية،وتشيع اللقطة ذات البعد البؤري العميق في الكثير من رسومه، وتجدر الإشارة إلى انه مصور فوتوغرافي بارع قبل أن يلج عالم الرسم،كما انه ينوّع اللقطة البعيدة بتعددية المسافات البؤرية واستحضارها بمديات مختلفة في آن واحد،وقد يفسح المجال أحياناً للقطات المنفصلة.ومن الملحوظ قلة اللقطات الكبيرة في رسومه،شأنه شأن الإنطباعيين الذين يميلون إلى تحطيم وحدة الفضاء،ويفضلون اللقطات المنفصلة،بالعكس من الواقعيين ناشديّ الفضاء الموحد المحدد.لكنما الغريب في الأمر هو أن التفاصيل تزداد في اللقطات البانورامية لفناننا خلافاً لمايؤكد عليه الناقد السينمائي لوي دي جانيتي” كلما زاد ماتشمله اللقطة من مساحة؛قلّت التفاصيل.وكلما قلّت المساحة التي تغطيها اللقطة؛زاد فقدان العلاقة المكانية للصورة بالنسبة لإطارها الأكبر”
والآن حان الإنتقال إلى تبيان الدلالات والرموز الأثيرة في أعمال فناننا الكبير.
للوهلة الأولى تبدو أكثرية رسومه كالغابات الرحيبة المكتظة بالمجاهيل؛حيث الإكتظاظ السكاني والفوضى المرئية،ومع ذلك هنالك مفردات دالة ورامزة تتكرر كالجبال والصخور والأحجار والأشجار والجذور والأنهار والوجوه..فمثلاً نرى وجوهاً مبثوثة في تضاريس الطبيعة مجسدة لروح الرسوخ والمقاومة والصمود،كما لو نسمعها هاتفة”كردستان أو الموت” ولقد أنسن فناننا المزيد من الأشياء،فثمة قنطرة في إحدى اللوحات دعامتها جذع شجرة إستحال إنساناً!وهنالك في لوحات أخرى جذور غائرة، متغلغلة في الثرى،متشبثة بالعماق،كما لو أنها تستغور الأزمنة السحيقة؛علّ تاريخنا الغابر يتمظهر في الجذور والأحجار..وحيث يستحضر فناننا التضاريس الدقيقة للصخور؛تنبثق الحركة منها بعنفوان محفزة للنفس وموحية،فتستثير المشاهد الآسرة،الذاكرة الطوّافة في عباب التاريخ،حيث تنبجس الوجوه البشرية والنتوءات الصخرية المشحونة بالتحدي ضد غزاة ومحتلي كردستان.ومايستلفت النظر هو ان الجبال والصخور وعناصر الطبيعة الأخرى في أكثر لوحاته أسطع حضوراً من الشر بعظمتها الملحمية؛وقد يدل هذا،من حيث يدري الفنان أو لايدري،على ضمور الفاعلية التاريخية للبشر عندنا إلى حد كبير!ليس هذا فقط،وإنما ينبغي ألاّنستغرب رؤية فناننا المهوّلة لواقعنا،حيث أن للعنف والإفتراس في أكثر رسومه وشائج متينة بمعطيات تاريخنا وواقعنا الراهن،الذي يمكن نعته دونما حرج بـ(سوبر سوريالي)
طالما أفلح فناننا القدير في تجسيد الصراعات المحتدمة بإبراز التضاد بين المساحات والخطوط والألوان في لوحاته،التي تنطق بروحية فلاح أصيل ملتحم بالأرض رغم سفره الدائم في الأزمنة والأمكنة وذاته،فضلاً عن عغويته الملحوظة،التي لاتعني السذاجة والبساطة طبعاً.
تعكس ألوان لوحات فناننا جمالياً غنى البيئتين الطبيعية والبشرية لكردستان،ولقد تمرس فناننا في كيميائها تحدوه إبتكاراته التي تؤازره في التعبير العميق عن خلجاته ولواعجه،وربما تميّز بتجريبه الناجح في مزج الألوان المائية والزيتية،أما إنجازاته بالحبر الصيني الملون فقلما يدانيها سواه.ولكون فناننا متعدد الممارسات في تلاوينه؛فغالباًما كانت الألوان تؤازره،وقلما كانت تقيّد أحاسيسه وأفكاره،وقد ظل رهن هذه المفارقة مواصلاً صيرورة تخطيطاته.
وفي توظيفه للأوان تبدت حساسية إنطباعية،مردها تأثير الضوء في اللون طبعاً،حيث كان الفنان يتحكم في إنسجامية اللون والضوء مع مضامينه المطروحة،وقد برع في تأجيج دينامية الألوان ورمزيتها،مجسداً التباين الشديد بين الضوء والظل أحياناً؛مبدعاً مشاهد ميلودرامية أثيرة،وغالباًما تغيب(التشخيصية)المستندة إلى الخط في رسومه؛لشفافية خطوطه إلى حد كبير،وقد يستحيل لديه اللون في حد ذاته مضموناً ذا دلالة؛لقدرته على الترميز به،وقد يطغى اللون الأخضر هنا وهناك كانعكاس شوري أو لاشعوري لمجتمعنا الزراعي،وتعكس هيمنة الألوان الحارة إحتدام شتى الصراعات…ومايستلفت نظر المتمعن في أكثرية رسومه هو ان الألوان الحارة(الأحمر،البرتقالي والأصفر)تتقدم في لوحاته مجسّدة للضوء وموحية بالعنف والإثارة،بينما تتراجع الألوان الباردة(الأزرق،الأخضر،النيلي والبنفسجي)والتي تمثل الظل وتوحي عموماً بالهدوء والسكينة والإستعلاء..ويبلغ تفجير الدلالة اللونية عنده غيرمرة إلى حد الإزاحة الدلالية كما في لوحة(طفلة إيزدية)حيث تظهر الطفلة بزيّ أزرق وتأكل الخس تبعاً لرؤية فناننا المستقبلية،الناشدة لتطور محتمل؛لأن اللون الأزرق وأكل الخس من التابوات عند الإيزديين.
ثم إن عزيز سليم فنان بارع في إستخدام السكّين والآلات الحادة ؛لإبراز وتجسيد التفصيل الدقيقة عبر الألوان كتقنية نحتية،خصوصاً وان ضرباتها المعكوسة تستحث حركات محسوسة متمرئية للعيان مثل ضربات الفرشاة الفانكوخية.أما إبتكار فناننا بتحويل(الباليت/المَـلـْوَن)إلى لوحة؛فهو بالتأكيد منجزه الكبير،الذي أثرى به فن الرسم الكردي المعاصر؛إذْ إهتدى فناننا المبدع إلى إستغلال واستثمار نفايات الألوان المتراكمة المختلطة على الباليت بعد إنجاز لوحة أصلية،بتحويلها إلى لوحة لاأروع ولاأبهى،قد تبز اللوحة الأم أحياناً،رغم كونها أصغر منها في أغلب الأحيان!حيث لم يكن الأمر يتطلب من فناننا المتمرس سوى تحريك فرشاته أو سكينه بعفوية في البداية،ثم بقصدية في المراحل النهائية؛فإذا بالفوضى اللونية تستحيل عوالم وخلائق جديدة مجسّدة منبجسة من باطن السدم والهيولى،حيث ينساق الفنان بدءاً مع الصدفة،ثم يخضعها للضرورة بفعل إرادته كخالق؛وإذا بنا أمام موضوع ينمو ويتصاعد في جو تسوده حرية التعبير المتضافرة مع جرأة الفنان وتلقائية عقله الباطن المطلق العنان ووعيه المشذّب في آن واحد.ولئن أفلح فناننا في إستيلاد الهيولى اللونية وتوجيه نشوء وارتقاء عناصرها المتخارجة؛فقد تأسلبت على يديه مايمكن تسميته بـ(السريالية النازعة إلى التعبيرية)محققاً بها أسلوباً متفرداً؛يدل المشاهد إلى التعرف على رسومه الباليتية حتى لو كانت خالية من توقيعه.ولسنا نغالي القول أو نجافي الحقيقة؛إنْ قلنا بتفوق إبداع الفنان في رسومه هذه على إبداع لوحاته الأصلية في أكثر الأحيان!
تقريظ عام ومآخذ:
في تاريخ الفن التشكيلي الكردي،يندر وجود فنان عصامي كعزيز سليم،الذي إستمات في تكوين نفسه،رهن ظروف غيرمواتية؛حتى نضجت قدرته الإبداعية وتعززت شخصيته الفنية المتميّزة،عبر ممارسة أكثر من أربعة عقود،إنتظمتها المثابرة الدائبة والغزارة العددية ومراعاة النوعية بشكل ملحوظ.ومن هنا فإن لأعمال هذا الفنان أهمية تاريخية فضلاً عن أهميتها الفنية؛حيث سجّل فيها الفنان ووثّق العديد من اللحظات التاريخية الحاسمة في كردستان كإنتفاضة آذار1991 العظيمة والهجرة الملاينية،وكذلك مشاهد الحياة اليومية،وخاصة الإجتماعية بتفاصيل دقيقة،ناهيكم عن إستغراق فناننا في هم تغيير واقعنا الراهن،ولاغروً فقد كان من أبرز دعاة التغيير الجذري ونشدان الحرية والعدالة والسلام،يحدوه وعيه بمسؤوليته القومية والإنسانية،وإيمانه الراسخ بالإنسان والمستقبل المنشود،ولقد تجلت مصداقية موقفه ورسالته في إهتمامه بقضايا السواد الأعظم المسحوق من أبناء شعبنا والبشر أجمعين.فقد نبع تعاطفه الحميم مع همومهم وطموحاتهم من إنتمائه الصميمي لكردستان أرضاً وشعباً وقضية،ومن فكره الثوري كمناضل إشتراكيّ النزعة وإنسانيّ المشرب،يستمد رؤيته لعصره من موقف فلسفي يغمره تفاؤل تاريخي يرتكز على ولائه للمستقبل المنشود،ويصبو توّاقاً إلى عالم مقبل(كما يحتمل أو يجب أن يكون)رغم مبائس وفجائع عالمنا الراهن..وهكذا كان فناننا الحالم يموضع ويجسّد تصوره الذهني أو مفهومه الخاص للعالم في رسومه،التي إستحال أكثرها أعمالاً فنية ووثائق تاريخية في آن واحد.
ثمة أمثلة عديدة تؤكد تطور فنانين فطريين وبدائيين،وانخراطهم في حظيرة الأكاديميين مع الإحتفاظ ببعض خصوصياتهم االأصيلة،لعل أبرزهم هو نحاتنا المبدع نظير خيلاني،الذي أثرى فطريته بالثقافة والتقنيات الأكاديمية؛فتاسلبت في أعماله(فطرية مشذبة/مثقفة)إن جاز لنا التعبير،وهو الأمر الذي ينسحب بشكل ما على فناننا عزيز سليم،الذي إستهواه المنحى التجريبي بين شتى الأساليب،في حين ظلت أعماله رغم الفروقات الظاهرية-الإنتقالية تلتقي جوهرياً مجسدة موقفه الموحد إزاء الوجود،وهو موقف قد طرأ عليه التوسع والتعمق بالضرورة؛بغية التعبير الأفضل والأمثل.ومافتيء فهمه المتجدد والمتعمق للواقع المعطى يعزز تجريبه،ولم يخلُ مساره الفني من تحولات فنية بين فترة وأخرى،وقد إستحال فنه مسعى إنسان مفكر يكابد دوماً؛ليخترق مجاهيل الآتي، متخطياً مطبات الغربة والخوف والحيرة.
مع إدراكنا أن الأعمال الإبداعية الكبيرة بطبيعتها تحتمل العديد من القراءات،نقول:-إذا كان الهم الأكبر للواقعيين تشخيص حقائق الواقع الموضوعية مع التركيز على المضامين،لا على الأشكال والتقنيات؛فإن عزيز سليم فنان واقعي حسب هذا المفهوم،أو انه واقعي غيرتقليدي؛لعنايته بالشكل والتقنية،وبعبارة أدق يقترب من الواقعية التسجيلية الحديثة.وإذا كان الإنطباعيون يعنون بالحقائق النفسية والروحية؛فإن فناننا أيضاً إنطباعي.إلاّ أن الأهم من كل شيء هو أن فن عزيز سليم لم يوجد للتسلية والبذخ،ويمتلك من المقومات المتميّزة؛مايجعله عالماً فنياً خاصاً وفريداً بالمقارنة مع أعمال أكثر فنانينا المعاصرين.
جليّ للجميع أن ليس ثمة أديب أو فنان منزّه من القصور والمآخذ،وهنا يمكننا أن نجمل مايتعلق بنتاجات فناننا بمايلي:
*لاتخلو العديد من أعماله من تراكم فوضوي وفجاجة.
*هنالك عناوين ساذجة تقلل من روعة وعظمة العديد من لوحاته.
*تطغى الزخرفة الباروكية المبالغ فيها على العديد من أعماله؛وذلك بتأثير المنمنمات الشرقية(الإيرانية بالأخص)وقد إنسحب التأثير نفسه على تطعيم العديد من رسوماته بالشعر على الطريقة التقليدية،كما الحال في دواوين بابا طاهر والخيام وحافظ الشيرازي.
*إستنساخ الصور الفوتوغرافية،أو تحويرها قليلاً في بعض أعماله.
*تطغى الشخوص ذات السحنات الأجنبية(الأوربية خاصة)على الكثير من أعماله؛بتأثير أسفاره وجولاته الكثيرة في بلدان العالم،وقد عد البعض ذلك من المآخذ على فناننا.
*لاتخلو الكثرة الكاثرة من لوحاته،التي إلتزم فيها النهج الأكاديمي من خلل تشريحي في النسب المتعارف عليها،أما إذاما وجد مثل ذلك الخلل في أعمال أخرى؛فيمكن تبريره وفقاً للمذهب التعبيري،الذي يشفع للفنان مادام يحدوه التعبير الصادق عمّا في باطنه من أحاسيس وأفكار يسقطها على رسوم البشر والطبيعة.
خاتمة إستنتاجية:
لاريب في كون الفنان عزيز سليم عصاميّ النشأة،موسوعيّ الثقافة، شقّ طريقه الوعر بموهبة وإرادة جبّارتين،ومافتيء يتمرّس ويتثقّف ذاتيّاً،مشذّباً فطريته؛حتّى إمتلك ناصية أسلوبه الخاص،الذي راح يجسّد به عالماً رحيباً يحتضن المزيد من عناصر البيئتين الطبيعية والبشرية؛حيث تطالعنا أحياناً عشرات المخلوقات في لوحة واحدة بإحتفالية ملحمية مفعمة بحيوية درامية عجيبة، تطغى عليها المفارقات التراجيكوميدية.وهذا يعني أن أكثر لوحاته بانوراميّ المشهد،بل مع حضور التفاصيل الدقيقة وحتّى شبه المجهرية في بعضها! ولكون فناننا راسخ الإرتباط بالبيئتين…؛فطالما دسّ نفسه معايشاً سِـفْـر تكوينه في أكثر لوحاته،حيث يستوقفنا وجهه شاهداً على حيوات ومصاير مخلوقاته،التي إبتكرتها مخيّلته الخلاّقة المتضافرة مع الواقع بكلّ معطياته.
برغم تركيبيّة أكثر لوحاته الجامعة لمديات متعدّدة:جغرافية،تاريخية وحضارية،فإن هيمنة فناننا جليّة على توزيع عناصرها في فضاءاتها المحدودة بهارمونية محسوسة،كما تتجلّى قدرته الفائقة على توليف زمكانات متعددة بشفّافيّة زئبقيّة،في وحدة عضويّة تتخلّلها الأشياء المؤنسنة،إضافة إلى الإنسان المتشيّء،فمثلاً تنبجس فيها النتوءات الصخريّة وجوهاً بشريّة مشحونة بالتحدّي والمقاومة!
أمّا ألوان عزيزسليم فتعكس جماليّاً ثراء البيئة الكردستانية في شتّى المواسم،وقد وظّفها بحسّاسيّة إنطباعيّة،وبرع في تأجيج ديناميّتها ورمزيّتيها المألوفة والمضادّة، كما في لوحة طفلة إيزديّة تلبس االملابس الزرقاء وتأكل الخس! وللألوان الحارّة هيمنتها؛حيث تعكس إحتدام الصراعات على شتّى الصّعد،لاسيّما في اللقطات البانوراميّة ذات الطّابع الدّرامي والملحمي.ولقد أفلح فنّاننا في المزج بين الألوان المائيّة والزّيتيّة،وأثبت مهارته في إستعمال الحبر الصّيني الملوّن،وبرع في إستخدام السّكّين وغيرها لإبراز التفاصيل وتجسيدها على السّطوح الملوّنة كتقنية نحتيّة.
لعلّ أهمّ إنجازاته المبتكرة هو تحويل الباليت(الـمَلْـوَن)إلى لوحة مستقلّة بعد إنجاز اللوحات الأصليّة؛ حيث كان يستثمر نفايات الألوان بتحويلها إلى لوحات خلاّبة لاتقلّ جماليّة عن لوحاته الأصليّة إنْ لم تفقها خلقاً وعفوية!وبالطبع تغيب التشخيصيّة المعتمدة على الخط(التخطيط) في لوحاته الباليتيّة،وتسودها العفوية الفطريّة التى لاتعني السذاجة والبساطة،وإنّما تحدوها الحريّة،بنزعة سوريالية بدائيّة.
لايخفى تأثّر عزيز سليم بالفن الإيراني وخاصّة المنمنمات الشهيرة،وكذلك إعتماده أحياناً على الصور الفوتوغرافية؛ إذْ كان أصلاً مصوّراً فوتوغرافيّاً.
أمّا مايؤاخذ على لوحاته ورسومه ذات الطّابع التقليدي فهو الخلل التشريحي لجسم الإنسان والحيوان.
لقد تمتّع هذا الفنّان القدير بشيخوخة متألّقة قلّ نظيرها؛ إذْ كان كتلة متأجّجة من الحيويّة والنشاط،ومتفائلاً متحمّساً…ولكن محال أن يقدر الإنسان مهما عظم شأنه أن يلغي حتميّة أجله أو يؤجّله،إلاّ أنه يقدر أن يقهر سطوة الموت؛إذا كان مبدعاً فذّاً يتخطّى محدوديّة عمره وكيانه الجسماني المعطى؛بمايورث المستقبل من إنجازات إنسانيّة وسيرة حسنة،فيقيناً أن فنّاننا الراحل في 5/1/2003هو أحد قاهريّ الموت؛فطوبى له*
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إشارات وهوامش:
*كانت نواة هذه الدراسة أصلاً محاضرة ألقيت في(كانون أول1992)على قاعة ميديا بأربيل،ضمن أسبوع المدى الثقافي،وبحضور الفنان نفسه الذي حاوره الحضور والمحاضر،الذي عرض أكثر من أربعين لوحة مشفوعة بالتحليل والنقد الفننين ،ثم طوّرت ووسّعت؛لتكون بمثابة تقديم لألبوم خاص بلوحات مختارة للفنان،وقد نشرت باقتضاب في(ع20)مجلة كَولان العربي/في كانون الثاني1998كما نشرت خلاصتها الإستنتاجية في(ع74)مجلة الصوت الآخر/30ت2/2005 فوجبت الإشارة إلى كل ذلك.
1- لم يطالعنا الفنان نفسه بفهم صائب دقيق وعميق لمنجزاته الفنية، وهذا القصور يكاد أن ينسحب على معظم الفنانين والأدباء المبدعين المفتقرين إلى الثقافة الواسعة والقدرة التنظيرية الموازيتين لقابلياتهم الممارساتية؛ فلاعجب إن طالعنا التناقض الصارخ في أقوال الفنان نفسه،والتي ينطوي أغلبها على خلط المصطلحات،بل وفبركتها على هواه،ومنها:
-“أنا أمارس الرسم بإسلوب الواقعية البدائية،ولكن بتكنيك فطري”
-“سرياليتي هي مزاوجة بين السريالية والواقعية،إنها بتحديد أكثر دقة سريالية واقعية”
-“لم أتأثر بأيّ فنان؛لأنني فنان فطري”
فالمعلوم ان كلتا البدائية والفطرية ترتكز جوهرياً على العفوية والبساطة،في حين ترتكز الكلاسيكية والواقعية على البرمجة والصنعة،ثم إن مصطلح(التكنيك)في حد ذاته ذو علاقة بمعرفة النسب التشريحية وتركيب الألوان والأبعاد والمنظور…؛فتصوّروا الحال إذا ما إنبرى فناننا لنقد وتقييم أعمال الفنانين الآخرين أمثال:فائق حسن،جواد سليم،آزاد شوقي،دارا حمه سعي وإسماعيل خياط؟!
2-لقد إدعى الفنان عزيز سليم مراراً(وتضاربت أقواله في تحديد التاريخ والمكان) في المقابلات الصحافية والإذاعية والتلفزيونية،وفي أدلة معارضه الشخصية منذ أواخر سبعينات القرن الماضي فصاعداً، بأنه قد أقام أول معرض له(في كركوك سنة 1932/في أربيل سنة 1934/في السليمانية سنة1932مرو،ومرة أخرى سنة1936)! في حين أكد بنفسه ذات مقابلة للفنان خالد رسول(من السليمانية)بأن أول لوحة رسمها كانت لقلعة كركوك في سنة 1935 وسجن 15يوماً بسببهاآنئذ!
وهنا نقول معلوم لجميع المعنيين بالحركة التشكيلية في العراق أن أول معرض شخصي للرسم كان للفنان حافظ الدروبي في نادي المعلمين ببغداد عام1936،وأول معرض تشكيلي جماعي في مدينة السليمانية(التي كانت الطليعة الثقافية المتقدمة في أواسط القرن الماضي)قد أُقيم في سنة 1950على قاعة إعدادية البنات ولمدة عشرة أيام،حسب قول الفنان المسن حمه كاكه،في حوار أجراه معه الكاتب والناقد التشكيلي بختيار سعيد(دنيا بينييه كاني هونه رى شيوه كارى كوردى/2004-السليمانية)كما بالغ جداً في حساب عدد معارضه الشخصية والمشتركة،ففي دليل أحد معارضه الشخصية(في مطلع تسعينات القرن الماضي)أشار إلى مشاركته في أكثر من 50معرضاً جماعياً،وثبت في دليل آخر معرض شخصي له في29تموز2002بأنه المعرض الشخصي الثالث والأربعون!
لقد نبشت كل المصادر والمراجع ذات العلاقة بالموضوع من كتب ومجلات وصحف يعود بعضها إلى ثلاثينات القرن الماضي،ناهيكم عن سجلات زيارات معارض فناننا نفسه،فضلاً عن الإستفسار من بضعة فنانين مسنين(كرد وغيركرد)فلم أحظ بما يشير إلى أي معرض شخصي لفناننا قبل معرضه الشخصي الأول في مايس1972 ببغداد، علماً بأن سجل زيارة المعرض المذكور في حوزتي مع أمانات أخرى تخص فناننا الراحل.
3-مع انه كان يسمّي نفسه بـ(دكتور رحيم) يبدو أن الصدفة الحسنة قد حالفته في إختيار إسمه الجديد(عزيز سليم احمد الجاف) إذْ تعاطف معه أحد الكوادر المتقدمين في الحركة الكردية(علي سليم بكَـ الجاف،وهو من قضاء كلار)وزوّده بدفتر نفوس شقيقه المتوفي(عزيز) حسبما أسرّ لي الشاعر المرحوم الخال حمرين(عبدالرحمن علي الجاف)،وربما جاء إسمه جرياً على وزن إسم الفنان الرائد جواد سليم، وقد أشار بنفسه إلى ذلك ذات مرة لي متفاخراً،ولاشك في أن للفنان والأديب،الحق المشروع في اختيار أي إسم مستعار. وقد عانى الفنان كثيراً من حيثيات دائرة النفوس حتى ماقبل إنتفاضة1991، ففي أوائل1990رافقت صديقيّ سالار فتاح وعبدالرحمن الباشا إلى مدينة رانية، حيث بذلا جهوداً محمودة لإطلاق سراح فناننا الموقوفوالإفراج عنه؛بسبب إشكالية من إشكاليات هوية أحواله المدنية، حيث سجّل ميتاً في سجل النفوس!وقد علمنا أيضاً بأنه لم يسجل حتائذ أسماء أطفاله من زوجته الثانية في صفحة تسجيله؛مما كان يعرقل تسجيلهم في المدارس.
4- رغم علاقتنا الحميمة لقرابة ربع قرن،بل كان يحسبني كأحد أولاده؛لم أفلح في إستكناه إسمه الحقيقي بشكل جازم، فقد يكون(محمد عبدالهي اسدالله) تولد 1925 في ممقان-تبريز؛ إستناداً إلى قول مواطنه الآذري الدكتور محمد تقي زهتابي،اللاجيء في العراق والمدرس بجامعة بغداد-قسم اللغة الفارسية،في مقال باللغة الآذرية(تبريزلى رسام/الرسام التبريزي) نشرته مجلة(بيرلك سسى/صوت الإتحاد) صص(42و43)ع(6)تموز-آب1972
يعود تعرفي عليه إلى مطلع1979 بصفته من معارضيّ النظام الشاهنشاهي، وكنا غالباًما نتحادث باللغتين الفارسية والآذرية،وقد سهرت على صحته ليلتين من ليالي كانون الثاني/1979في مستشفى الكرخ ببغداد، حيث كان راقداً إثر إصابته في حادثة سيارة، عدها محاولة إغتيال له، وهنا تجدر الإشارة إلى الرعاية والعناية الكبيرتين اللتين حظي بهما فترتئذ من قبل الأديب الكردي المعروف محمد موكري، والأديبة المعروفة أحلام منصور.
5-بعد إنتفاضة1991قيّض له اللقاء بولده برويز(تولد1959-طهران) من زوجته الإيرانية(وهو رسام وشاعر)والذي رافق والده بصبر أيوبيّ في فترة مرضه حتى وفاته في أربيل،ثم عاد إلى ألبانيا، حيث يقيم هنالك منذ قرابة عشر سنوات.
6- لكنما اللعبة إستهوته؛فراح يطلق العنان لنفسه ليبزّ الروائي الألماني كارل ماي(1842-1912)مفبركاً سيرة أسطورية فانتازية،لاتكتفي بتجذير ريادته الفنية في العراق فحسب، وإنما ريادته السياسية بصفته أحد أبرز مؤسسي عدة أحزاب: (حشع،هيوا والبارتي)ناهيكم عن القيام بمهمات وبطولات في كردستان إيران(إبان قيام وانهيار جمهورية مهاباد)وفي العراق،حيث أُعدم والده مع أشقائه الأربعة عام1936وترك دراسة الطب في جامعة بغداد، على حد زعمه،أو في خارج العراق،حسب روايةأخرى له!ولقد حققت بكل ما في وسعي للعثور ولو على وثيقة واحدة تثبت سيرته السياسية المزعومة؛فلم أفلح!ولديّ نسخة مصورة لموجز سيرته الذاتية بخط يده(وهو خط شكسته يدل على كونه من إيران)والطريف أن جميع من يعدهم شهوداً على سيرته العجائبية هم من الموتى!أما الأغرب من ذلك فهو أن يحسبها حتى بعض الأكاديميين سيرة حقيقية لاتشوبها شائبة دون أيّ تمحيص؛ كما فعلت د.شكرية رسول في مقالة عنه!ناهيكم عن إستناد د.فرهاد بيربال إلى أقوال فناننا على علاتها في تأرخته للفنون التشكيلية الكردية!
أما إجادته لثماني لغات:الكردية،العربية،الفارسية،التركية،الأنكَليزية،الروسية،الألمانية،الفرنسية والفنلندية،فهي مبالغة هائلة؛فقد تيقنت فعلاً من إجادته للغتين الفارسية والتركية(الآذرية)اللتين نظم بهما أغلب شعره الجيد(الذي يعد إيرانياً بلغته وأكثر مواضيعه)بل وتيقنت من كون كلتيهما لغته الأم، أما الكردية والعربية فكان يرطن بهما ولايجيد الكتابة بهما،علماً أن خطه في الكتابة كان الـ(شكسته)دائماً،وكانت إنكَليزيته متواضعة جداً لاتتعدى تمشية أمور الحياة اليومية.أما مستواه في اللغات الأخرى فليس في وسعي الحكم عليه.
7-ميزانسين:كلمة فرنسية،تعني وضع وترتيب الأشياء على المسرح.وقد إستعرناها هنا معممين إيّاها على توزيع العناصر(المفردات) في فضاء اللوحة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
شهادات:
• ” كان لي شرف إفتتاح معرض الأستاذ الفنان عزيز سليم، باسم السيد وزير الثقافة، وقد أذهلتني الأجواء الواقعية المتمثلة في أعمال الفنان وإمكاناته الواقعية، وخاصة المحاولات الجديدة في المزج بين الزيت والبوستر؛ الأمر الذي أعطى شفافية جديدة وأجواء متداخلة في الحلم”
نزار سليم
19/5/1972
• ” معرض الأخ عزيز سليم من أصدق المعارض التي أُقيمت هذا العام”
إسماعيل فتاح الترك
20/5/1972
• “عندما يتمكن الفنان من إيصال حسه إلى المشاهد؛ فإنه يكون قد أنجز أمراً مهماً في الفن، والسيد عزيز سليم تمكن من هذا الشيء؛ فقد شعرت بنقاوة وبدائية الخلق الكردي وبالألوان الجبلية وبالسذاجة، ولكنها بنكهة سريالية”
د. قتيبة الشيخ نوري
26/5/1972
* ” نستطيع القول أن الثلاثينات من هذا القرن كانت القاعدة الأساسية لإنطلاق حركة الرسم والنحت في كردستان العراق، وكانت النوى تنتشر في رسوم المقاهي والمطاعم والبيوت..وهي في بدايتها كانت فطرية-طبيعية تهتم بالحياة الرعوية والزراعية والطبيعية. ويمكن إعتبار الفنان الشعبي عزيز سليم احمد (1917- ) أحد رواد هذه الحركة الفطرية، وقد تيسّر لي مشاهدة معرضه الشخصي في السبعينات في متحف الفن الحديث. وقد جمع فيه معظم أعماله التي قدر على جمعها، وهي تتراوح بين النقل الحرفي عن الفوتوغراف وبين الأعمال الرمزية والمناظر الطبيعية، نفذها بحس شاعري خلاب وبعفوية ساحرة عاكساً روح الكرد وتشبثهم بالحياة والوجود. وعزيز سليم لايؤمن بالنظريات والمدارس والإرشادات؛ فهو يرسم فقط، لايبحث إنما يجد، لايشغل نفسه بأطوار الحركة الفنية المعاصرة في أوربا، بل يحفر بين الصخور الجبلية: عشبة، زهرة، باباً قديماً، حلاقاً على الرصيف، صورة، منظراً من كردستان، نهراً، شجرة، إمرأة..إنه يراكم الأشياء بلا انتظام ويقدمها لك كبائع متجول يعرض بضاعته المتنوعة عليك، يحمل معه كل ماخلق ومالم يخلق. لقد بنى عزيز سليم نفسه بنفسه؛ لهذا فهو أحد أركان البناء الذاتي لحركة الرسم الكردية. إنه لم يسمع بهنري روسو(1844-1910) لكنه لايقل صدقاً والتصاقاً وعفوية عنه”
فيصل لعيبي
• ” إنني معجب فعلاً برجل قروي يرسم بهذا الشكل وبهذه الصورة عاكساً هذا الواقع كتراث. أشعر بأنه يمتلك الإخلاص والنقاء بقدر البساطة المتوفرة فيه، وإنها لخطوة جيدة أن يتابع هذا التقليد الشخصي في الرسم وحب الحياة التي دفعته لهذه الأعمال”
عادل كامل

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *