أبناءُ الطين

latifa_aldlimy

((إلى الناصرية . عاصمة الثورة))

ثامر سعيد

مضرجونَ بالحزنِ والأحلام
أبناءُ الطينِ
لا ليلَ يُصاولُ صبرَهم
دمُهم ما أنفكَ يقرعُ الأجراسَ
فينضحُ موشورٌ طينيٌّ من ( لكش )
بأولِ ضجيجٍ في الكون
من يومٍ شتويٍّ قارس :
جئتُ لأقلبَ أشجارَ الخفافيشِ
ليشرقَ الصباحُ واضحاً
ولا ينامُ جائعُ في سومرَ .
فتصحوا من غفوتها التماثيلُ
ويتمطى جرحٌ في سقفِ اللوفرِ .

حينَ كتبتْ تراتيلَ المعبدِ السومري
احتفظتْ بقصيدةِ نثرٍ جنائزية
لأجِنَتِها الذين ستلدهم
بعد أربعةِ آلافِ سنةٍ
كانت تفكرُ تحت سماءِ الزقوراتِ
كيف ستضَعهم على مركبٍ
من ورقِ البردي
ثم تحكم رتاجَ النهرِ عليهم
فقد يأتي زمنٌ مخصيٌ
فتضيعُ تمائمهم .

هل كانتْ تعلمُ إنخيدوانا
أولُ شاعرةٍ على الأرضِ
أن رصاصاتٍ خؤونةٍ
ستجزُّ رقابَ سنابلِها
فيصيرُ الجسرُ قبراً
يغسله أنينُ النادبات ؟

وهم يحلقون بأجنحةٍ
مثنىً ورباعٍ
تُشيعهم ملائكةٌ وعصافير
وقبل أن يغرقوا في النجومِ
كانوا يلوّحونَ بقلوبٍ خضرٍ
وأعلامٍ دامية
لكنهم تركوا قناني الماء على الأرصفةِ
والهتافَ على الجدران
ينتظرونَ أن تعيدَ الأضرحةُ لهم
دموعَ الأمهاتِ .

الغرانيقُ قالتْ :
هي زفراتُ الموجِ
ضاقتْ رئةُ النهرِ بها
فتنفستها السماءُ .
إما المنجمونَ فقالوا :
ربما هو شذوذٌ فلكي
شعَّ قبلَ أوانهِ ؟
لكنّ الرهبان قالوا :
التعاويذُ التي لا تحفظها السفوحُ
لابد أن تنبتَ في القممِ .
المجانينُ لم يعلقوا على المشهدِ كثيراً
وراحوا يهمسونَ لبعضهم :
لماذا تمنحُ الأهوارُ أجنحتها
إلى العاصفة
ومن أطلقَ على هذا الأحدبِ الخَرَّاصِ :
جسرَ الحضاراتِ ؟

هل وصلوا جنتكَ يا الله
تلك التي تجري بأنهارِ دموعٍ
وتغفوا على ثكالى
يزوقنَّ أيامهنَّ بالنواح ؟
هل وصلوا يا الله
بجماجمهم المحشوةِ بدخانٍ منتهيَ الصلاحيةِ
ومواويلَ لم يرشفوا من شجونها
ما يكفي للسفر ؟
الشروكيون يعشقون دروبَ الوردِ
فهل تجاوزوا قطّاعَ الطرقِ
الذين يتربصون بهم الآن
في السبيلِ إليكَ
والعسسَ الذين يبتزونهم بإتاواتٍ
وهم لا يملكونَ سوى الأغاني والجراح ؟
أصغرُهم لم يبلغ سنَّ الرغبةِ
سوى بشاربٍ خفيفٍ
ومواعيدَ خاطفةٍ في ظهيرةِ المدرسة
وأكبرهم لم ينتهي صغاره
من جمعِ أشلائهِ من تك تكٍ محترق .

سأظلُ أتضرعُ بين يديكَ أيّها المقتدر
أن تردعَ وكلاءكَ المأزومين عنهم
فمازالوا يعتمرون بيوتَ العناكبِ
على جماجمهم المأفونةِ
ويحتفظون ببقعِ القهوةِ
في قلوبِهم الغائلة .
وأن تأمر ملائكتكَ الطيبين
أن يشيدوا لهم مسجداً وحيداً
يعبدون فيه الوطن !

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *